ولكن الأمة الإسلامية - في التيه - لم تكن تجرؤ حتى أن تحدث نفسها في سريرتها بأن الغرب يمكن أن يخطئ ! إنما المخطئ من يخالف الغرب ! وعلى المخالف أن يصحح موقفه ليتناسق مع"الأمر الواقع"أو"مع الرأي العام العالمي"أو مع"مقتضيات الحياة الحديثة"أو مع ما يكون من المسميات !
وقام"المفتي"يحلل الربا"البسيط".. ربا"صندوق البريد".. بحجة أن المحرم هو"الأضعاف المضاعفة"وليس أصل الربا ! وقام غيره يحلل ربا السندات التي تصدرها الدولة ، بحجة أن الدولة لا ينطبق عليها ما ينطبق على الأفراد !! وقام غيره وغيره وغيره .. وقام آخرون - في التيه - ينادون علانية بوجوب تنحية الشريعة من أجل التقدم الاقتصادي الذي تتحقق به"مصلحة"الشعوب !
تفككت روابط الأسرة ..
وأصبحت"الأسرة الكبيرة"عيبا يتندر به"المثقفون"!
ذلك أن"المثقفين"قرءوا فيما قرءوا عن حياة الغرب أن الأسرة الكبيرة التي تشمل الأجداد والأحفاد إلى جانب الآباء والأبناء كانت سمة من سمات المجتمع الزراعي - الذي يوصف دائما بأنه مجتمع متخلف - أما المجتمع الصناعي - الذي يوصف دائما بأنه المجتمع المتطور - فقد ذابت فيه الأسرة الكبيرة ، وصارت الأسرة تقتصر على الأب والأم والأولاد .. وحتى الأولاد فإلى سن معينة ثم ينفصلون عن آبائهم ، ويؤسسون لأنفسهم حياتهم الخاصة ، ولو لم يتزوجوا ويكوّنوا أسرة .. فهذا أمر آخر ! إنما المهم هو الاستقلال الاقتصادي الذي يصحبه الانفصال عن الأبوين !
يا له من تقدم !
وإذا كنا نحن بعواطفنا"الشرقية"لا نتحمل هذه الجرعة الكبيرة من التقدم الحضاري ، فلنقتصر على إخراج الأجداد والأحفاد من نطاق الأسرة .. ولتظل الأسرة هي الأب والأم والأولاد ، إلى أن يتزوجوا ويكوّنوا أسرهم الخاصة ، ولنترك الأسرة الكبيرة لسكان الريف ، بحكم أنهم مجتمع زراعي متخلف ، لا يرجى له أن يتحضر من قريب !
أما الروابط الأسرية الموروثة التي كان منبعها تعاليم الدين فقد آن لها أن تتغير ، لأن الدين لم يعد في هذا العصر مصدر التوجيه . لقد صارت العلاقات الاقتصادية هي محور الحياة"الحديثة" ( يقولها قائلها مفتخرا بأنه نال شيئا من"الحداثة"ولو بلمس اليد من بعيد ! ) وصارت هي التي تقرر للناس روابطهم (48) ، فإذا تعارضت معها تعاليم الدين ، فتعاليم الدين هي التي ينبغي أن تتنحى .. لأنها نزلت في جو آخر ، ولقوم آخرين .. ولم يعدلها مجال في عالمنا المتطور الحديث
وانفك رباط الناس بالبيت ..
لقد كان البيت المسلم هو"المجتمع"الصغير الذي ينشأ فيه الصغار ويرتبطون بالكبار ، يرتبطون رباط الأبناء بآبائهم ، ورباط القيم والأخلاق والتقاليد ، ورباط الألفة والمودة ، ورباط الاستقرار النفسي والعاطفي ، وكلها معانٍ - كانت - مستمدة من الدين ..
( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) (49) .
( وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ) (50) .
ولكن الأحوال تغيرت ..
أصبحت هناك - في الخارج - جواذب تجذب الناس إلى خارج البيت ..
هناك المقاهي .. يمكن أن يسهر فيها الناس إلى منتصف الليل ، يلعبون النرد ، أو يلعبون الورق ، أو يشربون"الشيشة"، أو يثرثرون في شتى الأحاديث التي كان مكانها من قبل زيارات الناس بعضهم لبعض في البيوت ..
وتلك المقاهي هي على أي حال"للأتقياء"من الناس !
أما غير الأتقياء فلهم أماكن أخرى - كثيرة - يسهرون فيها خارج البيت ..
أمامهم البارات والحانات .. وقد سارع الغازي الصليبي بعد تنحية الشريعة إلى إعطاء تصاريح رسمية ببيع الخمر ، وإيجاد أماكن مرخص بها يجلس الناس فيها ليحتسوا الخمر علانية .. وكتب عليها أن تقدم"المشروبات الروحية"! (51) لروادها ! وأمامهم المسارح والمراقص ودور اللهو ..
وأمامهم بيوت الدعارة الرسمية ، مفتوحة بإذن الدولة .. الدولة"المسلمة !"وعليها حراسها يحمون القائمات ببيع الرذيلة فيها كما يقومون بحماية أي مرفق من مرافق المجتمع.. (52) .
وأصبح السهر خارج البيت سمة من سمات"المجتمع الجديد"الذي استحدثته الأمة في التيه ، يفكك روابط البيت التقليدية ، وينشئ أجيالا لا تستمتع بما كانت تستمتع به الأجيال السابقة من رعاية الأب ، ووحدة المشاعر ، وألفة النفوس ..
ثم جاء دور المرأة لتخرج كذلك من البيت !
جاءت قضية"تحرير المرأة"..
ولقد كانت المرأة في حال ممعنة في السوء ..