فهرس الكتاب

الصفحة 26408 من 27364

إما أن القرآن قد نزل لقوم معينين ، كانت أحكامه صحيحة بالنسبة إليهم ، لأنهم كانوا في بداوتهم لا يملكون فكرا راقيا ينظمون به حياتهم ، فكان القرآن رفعاً لهم وتقدماً بالنسبة إليهم ، وإما أن الدين كله - كما تقول أوربا - قد أخلى مكانه اليوم للتقدم البشري المبني على"العلم".. فلا علينا إذن أن نخالف أحكامه ونحن مطمئنون !

كانت الشريعة هي العقدة الضامّة .. فلما انحلت انفرط عقد كل شيء ..

ولم يكن التغيير كله ذاتيا بطبيعة الحال .. بل أقله هو الذي كان تلقائيا ، وأكثره كان مدفوعا مدبرا مخططا من قِبَل القوى الصليبية المسيطرة ، تعاونها الصهيونية الداخلة تحت كنفها ، العاملة في إطارها . ولكن الأمة - في التيه - كانت سرعان ما تتقبل التغيير ، سواء كان ذاتيا من المنبهرين ، أو مدفوعا مدبرا مخططا من الصليبيين والصهيونيين .

ولم يبق مجال واحد من مجالات الحياة بعيدا عن تيار التغيير ..

تغيرت الحياة الاقتصادية

دخل الربا رسميا وعلنياً في حياة الناس . فقد قيل للناس: كيف تحكّمون مفاهيمكم الدينية الجامدة في دورة الحياة العصرية المتقدمة الموارة بالنشاط الحيّ ؟ تريدون أن تجمدوا الحياة على صورتها البدائية التي كانت عليها في القرون الوسطى ؟!

إن الاقتصاد الحديث لا يمكن إدارته بدون الربا .. لا يمكن ! لأنه لا بد من بنوك تقرض أصحاب الأعمال .. والبنوك شأنها هكذا .. لا تعمل بغير ربا ! لأنها لا بد أن تضمن أموالها التي تقرضها لأصحاب الأعمال .. فكيف إذا حكّمتم شريعتكم التي تحرّم الربا ؟! تتوقف البنوك عن الإقراض ، ويعجز أصحاب الأعمال عن إدارة أعمالهم ، فتتوقف دورة الاقتصاد ، وتتخلف الأمة ، ويسبقها غيرها . الربا ضرورة . والضرورة تبيح المحظور .. فاحتفظوا بشريعتكم في قلوبكم .. أما واقعكم فاتركوه ينطلق مع دوامة الحياة الحية .. أو فلتبقوا جامدين ، ودعوا أوربا تسبقكم في جميع المجالات !

وتقبلت الأمة - في التيه - كل القول على عواهنه .. وانساقت مع"الأمر الواقع"

ولم يكن لديها من الوعي أو البصيرة ما تفند به القول ، فضلا عن أن يكون لديها مبادرتها الخاصة المستمدة من فكرها وتصوراتها وعقيدتها .. فضلا عن أن تعتز بوضعها الذي أخرجها الله من أجله فتكون هادية ورائدة تصحح للبشرية أخطاءها وانحرافاتها ..

( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (46) .

فأما أن بنوكهم هكذا .. فنعم !

فالبنك - في صورته الغربية - فكرة يهودية بحتة ، وتنفيذ يهودي كذلك ..

فحين قامت الثورة الصناعية في أوروبا - وكانت في حاجة إلى المال لتمويل مشروعاتها - لم يكن هناك من يملك المال المطلوب إلا أمراء الإقطاع والمرابين اليهود .. وقد أحجم أمراء الإقطاع عن تمويل الحركة الصناعية لأكثر من سبب ، فتقدم المرابون اليهود لعملية التمويل ولعابهم يسيل ! فقد أتيحت لهم فرصة"ذهبية"لتشغيل أموالهم بالربا على نطاق واسع . فهم لم يكونوا يشاركون بالمال الذي في أيديهم في المشروعات الصناعية - وقد كان كثير منها يخسر في مبدأ قيام الثورة الصناعية لإحجام كثير من الناس عن استخدام ما تنتجه الآلة ، كما كانت طرق المواصلات غير ممهدة ، وكان التخطيط شبه معدوم ، والإعلان عن المنتجات غير متوفر - إنما كانوا يقرضون المال بالربا .. وسواء كسب المقترض أم خسر ، فهم في مأمن من الخسارة بما يفرضون من ربا مقابل إقراض المال .. وحتى ذلك المال لم يكن كله مالهم الخاص ! فقد كان كثير منه من الودائع التي تعوّد الناس في أوربا أن يودعوها عند اليهود . وهكذا ولدت فكرة البنك الذي يأخذ ودائع المودعين فيقرضها للمقترضين مقابل جعل ربوي يفرض عليهم ، ويعطى صاحب الوديعة جانبا من الفائدة على وديعته ، ويأخذ البنك - أي أصحابه اليهود - بقية"الفوائد"ربحا خالصا مقابل لا شيء ! أي مالا حراما لا يحله الله:

( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ) (47) .

وأما أن الاقتصاد"الحديث"لا يصلح بغير الربا ففرية يهودية ، أطلقها اليهود وروّجوها ليضمنوا لأنفسهم السيطرة المستمرة على عالم الاقتصاد - الذي يسيطرون عن طريقه على حياة الأمميين السياسية والاجتماعية والأخلاقية والفكرية والإعلامية ، ويستحمرونهم به لحسابهم الخاص - وعقلاء الغرب أنفسهم بدءوا يرون بأعينهم ويلات الربا ، ويفكرون في منهج بديل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت