فهرس الكتاب
فقد كانت تنحية الشريعة شراً شاملاً ، شمل من حياة الأمة كل شيء ، وأفسد من حياتها كل شيء ..
لقد أفسدت بادئ ذي بدء عقائد الناس وتصوراتهم عن"الدين".
فالدين - كما نزل من عند الله - عقيدة وشعيرة وشريعة .. دين ودولة .. ومنهاج حياة (42) .
ولكن الناس - في التيه - فقدوا ذلك التصور الواضح ، وتشربوا بدلا منه المفهوم الغربي الكنسي ، الذي يفصل الدين عن الدولة ، ويصور الدين علاقة بين العبد والرب محلها القلب ، ولا علاقة لها بواقع الحياة !
فقدوا الإحساس بمعنى قوله تعالى: ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (43) .
وقوله تعالى: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) (44) .
وقوله تعالى: ( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ) ؟ (45) .
وهم يتلون ذلك كله في كتاب الله ، ولكنه لا يصل إلى أفئدتهم - في التيه - إلا أصداء بعيدة غير ذات مدلول ..
وصحيح أن مفهوم"الدين"ومفهوم"لا إله إلا الله"ومفهوم"العبادة"كان كله قد انحسر في نفوس المسلمين قبل مجيء الغزو الصليبي ، وهزيمة الجيوش الإسلامية أمامه . ولكن الانحسار كان قد توقف عند آخر حاجزين لم يكن يمكن - في حس المسلمين - أن يحدث التراجع عنهما وهما الصلاة وتحكيم شريعة الله . فقد يتهاونون في كل شيء ، ويغضون الطرف عن أي مخالفة ، ولكن يبقى في حسهم أن المسلم يصلي ، ولا يمكن أن يكون مسلما إذا ترك الصلاة ، ويتحاكم إلى شريعة الله ، ولا يمكن أن يكون مسلما إذا تحاكم إلى غير شريعة الله ..
ولكنهم - في التيه - تراجعوا عن كلا الحاجزين في وهلة الانبهار ! تراجعوا أولا عن الشريعة ، ثم تراجعوا عن الصلاة !
وأسرع الطبالون والزمارون يزينون للأمة ما فعلت ، ويقولون لها في الخطوة الأولى: لا بأس عليكم من عدم تحكيم شريعة الله ، فتلك مسألة خاضعة"للتطور"! وما دمتم تصلون وتصومون فأنتم مسلمون ! ثم زينوا لهم - كما سيأتي بيانه - أن يتركوا الصلاة والصوم وسائر الشعائر التعبدية ، ثم قالوا لهم: لا بأس عليكم وإن لم تصلوا ولا تصوموا .. فما دمتم تقولون لا إله إلا الله ، فأنتم مسلمون !!
ووقعت الأمة في الفتنة من جانبين .. جانب الطبالين والزمارين - دعاة الغزو الفكري - وجانب علماء السوء ، عبيد السلطان .
فأما الطبالون والزمارون فقد قالوا للأمة: لقد كنتم تطبقون الشريعة وتقيمون الشعائر وتملئون المساجد فماذا أصابكم من ذلك كله إلا الضعف والتأخر والخذلان أمام الغرب ؟ وها هو ذا الغرب لا يحكّم شريعتكم الجامدة ! إنما يحتكم إلى قانون متطور مواكب للأحداث ، وها هو ذا لا يصلي مثلكم ولا يصوم .. فأين هو وأين أنتم ؟ هو في القمة وأنتم في الحضيض ! فدعكم من تلك الأغلال التي كانت تكبلكم .. وانطلقوا .. انطلقوا إلى الحضارة والقوة والرقي والتقدم !
وأما علماء السوء فقد اتكئوا على الفكر الإرجائي: من قال لا إله إلا الله فهو مؤمن ، ولو لم يعمل عملا واحدا من أعمال الإسلام !! ربكم رب قلوب ! ما دام قلبك عامرا بالإيمان فلا يهمك شيء .. ولا يضر مع الإيمان معصية !
وتلاقت الفتنة من هنا ومن هناك .. واندفعت الأمة في التيه !
فأما"الطيبون"فقد ظلت عواطفهم مع الإسلام ، ومع كتاب الله ، ولكنهم جلسوا يتحسرون على الأيام الفائتة ، ويقولون لأنفسهم: ما حيلتنا ؟ لقد تغير الزمان ! ولم يعد في الوسع الرجوع إلى ما كان !
وأما العملاء فقد فركوا أيديهم سرورا بتخلص البلاد من عدو أسيادهم الذين يدينون هم لهم بالولاء !
وأما جموع أخرى من الناس فقد وقفوا حائرين: هل من المعقول أن يكون هؤلاء"الإفرنج"الراقون المتحضرون المتقدمون الذين نجلس نحن عند أقدامهم - إن سمحوا لنا أن نجلس هناك - هل من المعقول أن ينطبق عليهم ما جاء من وصفٍ في القرآن: أنهم الخاسرون .. أنهم الضالون .. أنهم هم الصم الذين لا يسمعون ، العمي الذين لا يبصرون ؟!
وي!
ومن الرابح إذن ومن المهتدي .. ومن المفتوح البصر والبصيرة ، الواصل إلى جوهر المعرفة وعلم اليقين ؟!
كلا ! لابد أن يكون القرآن يصف قوما آخرين .. كانوا في الماضي .. أما حاضر الغرب فلا يمكن أن ينطبق عليه الوصف !
ونحن أيضا ! أتنطبق علينا الأوصاف الواردة في القرآن إذا قلدنا الغرب وحاولنا أن نصنع مثلما يصنع ؟
حين نتعلم مثلهم ، ونرتقي مثلهم ، ونحطم الأغلال مثلهم ، ونحرر المرأة مثلهم ، ونشرع لأنفسنا مثلهم .. أنكون عندئذ في حكم"الجاهلية"كما يقول القرآن ؟!
كلا ! كلا !