أيمن خالد
لا ينبغي للأمة الإسلامية أن تكون ضعيفة، لأنها عندما تكون كذلك، فثمة متربص بها، ينتظر فرصته لينقض عليها مجدداً، تلك هي صورة مختصرة عن مجمل الحروب الصليبية، التي دارت رحاها على أرض المنطقة، وتلك هي مأساة الأمة التي ظلت تتكرر تباعاً، فبين الركون إلى الدنيا وترك حراسة الثغور الإسلامية، وبين شهوة الإمارة، التي تتقاتل الجيوش بغية الحصول عليها، كانت تلك أبرز عوامل ضعف الأمة، ما جعلها فريسة بين لحظة وأخرى بيد الغزاة من جديد، يعبثون بها وبمصير أبنائها، فيما هي الصحوة وحدها، واخذ الأمة دورها الريادي، هو ما يحميها ويمنع الطامعين ويكف أيديهم عنها. بين الفينة والأخرى، يتقاتل الإخوة وأبناء الأسرة الواحدة على تقاسم الممالك، ما يجعل الأمة تقع ضحية صراع داخلي يفتك بها، ناهيك عن إشكالية الوراثة، والتي تبرز باستمرار كمعضلة، من معضلات الأمة عبر التاريخ الإسلامي الطويل، فعملية تنظيم الإمارة كانت لا تتم عبر الشورى الإسلامية وفق النص القرآني، وإنما وفق أهواء دنيوية، ووفق معتقد قد يبدو صحيحاً، لكن النتائج لا تأتي كما يُظنُ على الدوام، من خلال فكرة (أن يحمي الإسلام رجل يكون قوياً) في حين أن الأصل في الأمر كله، هو أن الإسلام هو من يحمي الأمة عندما تحتمي به. بالتالي كانت مأساة الأمة أنها تحتمي بالرجال، فإذا أفضى صلاح الدين الأيوبي إلى ربه، جاء أولاد أخيه الذين تربوا في القصور، خلاف حياته التي أمضاها في خيمة الجهاد، وظن الناس بهم خيراً، حتى إذا تمكنوا من البلد، كانوا على الأمة وبالاً شديداً.
فهم دون شك ممن لا يليق بهم أن يحملوا شأن الأمة، نظراً لانشغالهم ببعض عن الأمة وشانها، وبذلك، كان يطمع الأعداء بالعودة مجدداً، للانقضاض على الأمة ونقض العهود، في معادلة ظلت متكررة، وبقيت مفاتيحها بيد الأمة، فانشغال الأمة بنفسها، كان مدعاة لتدخل قوى خارجية فيها، أو انقضاضهم على ثغور الإسلام، التي كانت تقل منعة أمام كل معضلة داخلية جديدة.
لم تتقاتل الشعوب يوماً، ولكن الذين تقاتلوا هم الأمراء، فالشام ومصر كانتا إمارتين مقسمتين بين أخوين من الأسرة الأيوبية، وسيصل النزاع بينهما إلى حد السيف، وهو الوقت المناسب لدخول الصليبيين على خط النزاع، فتأتي الحملة الخامسة وتتوجه الجيوش من اوروبا، فتجتمع في عكا، ثم تنطلق من عكا باتجاه مصر، بعد أن فشل الأخوة وأولاد الإخوة في حل خلافاتهم، أو حتى بالاتفاق ولو مؤقتاً ريثما يتراجع الصليبيون عن أهدافهم باجتياح ديار الإسلام. فالصليبيون الذين انطلقوا من عكا إلى مصر، كانت بيت المقدس أكثر قرباً من دمياط، لكنهم يتوجهون إلى دمياط خشية أن تضغط الشعوب على حكامها، خصوصاً وان زمن صلاح الدين الأيوبي كان قريب عهد، وبوصولهم إلى دمياط، تبدأ صفقة سياسية على غاية من الخطورة، لا تزال تتردد صداها إلى يومنا هذا، خصوصاً مع ولادة المشروع الصهيوني واحتلال فلسطين. الصفقة أفضت بأن يرجع الصليبيون عن مصر، مقابل تسليمهم بيت المقدس من جديد بعد أن حرره صلاح الدين، إضافة على أجزاء أخرى من فلسطين، وبذلك عادت من جديد إمارة بيت المقدس اللاتينية، وعادت القدس إلى السر مجدداً، وكل ذلك في سبيل حل نزاع أسري على الحكم بين السلطان المسمى بالكامل، وبين أولاد عمه. ألماضي الذي يعود في عودة إلى الماضي قليلا، حينما كانت الدولة الفاطمية تلفظ أنفاسها، حدث ثمة نزاع بين أميرين متخاصمين، هما شاور وضرغام، يومها استغل الصليبيون الصراع بينهما، وتدخلوا لصالح ضرغام، الذي فتح لهم أبواب مصر لولا تدخل نور الدين محمود زنكي الذي حال دون ذلك بفضل قواته التي بعثها إلى مصر لنجدتها، وكان على رأسها أسد الدين شيركوه وابن أخيه صلاح الدين الأيوبي، حيث انتصرا للإسلام وانتهى حكم ضرغام، ليأتي فجر جديد على مصر من خلال صلاح الدين الأيوبي، الذي منحته مصر حكمها، لما أبداه من حرص على الأمة وسلامتها من الغزاة.