بالتالي، صورة التدخل في الشؤون الإسلامية، والانتصار لطرف على حساب آخر، ظلت ماثلة في أذهان الصليبيين، فما أن سمع الإمبراطور الألماني بالسيف الذي وقع بين الشقاء، حتى جمع جيوشه وتوجه على مصر، وهناك حدثت المساومة الكبيرة، فقد باع السلطان فلسطين، ورضي بأن تقوم إمارة صليبية جديدة في القدس، يصبح وجودها مانعاً بينه وبين إمارة دمشق. وهذا يعيدنا أيضا مرة أخرى إلى الوراء إلى ما ذكره ابن الأثير في كتابه الكامل، من قوله إن الصليبيين قبل أن يخرجوا من كليرمون وصلتهم سفارة الدولة الفاطمية وعرضت عليهم أن يدخلوا فيقاتلون السلاجقة ويتقاسموا هم وإياهم الغنيمة، وحدث فعلا أن السلاجقة المسلمين بينما كانوا يخوضون صراعا مريراً ضد الصليبيين في إنطاكية، إذ قامت الدولة الفاطمية وطعنتهم في الظهر فاحتلت بيت المقدس، وهدمت جزءا مهما من أسواره، ما جعل سقوط بيت المقدس فيما بعد يسيرا على الصليبيين. فالمتتبع لطبيعة الأحداث الثلاثة التي أتينا على ذكرها، مع اختلاف الأشخاص، سيصل إلى نتيجة مفادها، أن الخيانة لا مذهب لها، وأن شهوة الحكم قد تؤدي إلى إفناء جيوش بأكملها وضياع أوطان وبيعها بمقابل استمرار العائلة في وراثة الحكم وتوريثه لأبنائها. فأخطر ما في الأمر، أن مسألة الحفاظ على الملك، لم تكن تأتي في بعض الأحيان بفعل قوى من الداخل، بل كان يحدث العكس، فيلجأ بعض الأمراء إلى عدو الأمة اللدود، ويستعينون به من أجل بقائهم في الحكم أطول فترة ممكنة. القدس دلالة دينية التقليل من قيمة القدس الدينية هو الذي كان يصل بالأمة إلى الهاوية، وتوجيه الأنظار إليها كان يساهم في نهضة الأمة وتقدمها، واستمرارها عزيزة النفس أبية في مواجهة أعدائها. لهذا إن خط سير المسلمين الأول في الفتح الإسلامي كان باتجاه القدس، وبعدها توجه المسلمون إلى شتى بقاع الأرض، ولم تأت أهميتها في القرآن الكريم من خلال المسجد الأقصى فحسب، وإنما كانت الأهمية للمكان ذاته، بدليل قول الآية الكريمة « سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ » وقوله « وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ» . بالتالي نجد أن قيمة الأرض، وبركتها حاضرة، وهنا يطل علينا الاتفاق الشهير بين السلطان المسمى بالكامل، وبين الصليبيين، حيث أفضى الأمر إلى تسلمهم إمارة القدس، مع السماح للمسلمين بالصلاة في المسجد الأقصى.
وهو أمر منافي للعقيدة الإسلامية، ومنافي لرؤية القرآن الكريم، لكن الذين لا يردون سوى الحكم لن يكترثوا لذلك. عندما يشير القرآن الكريم إلى المكان الذي هو الأرض في فلسطين، وعندما يتحدث عن الأقصى ثم يعمم الحديث بالبركة عن محيطه، لذلك كله دلالات هامة، وإذا حاولنا التأمل في الآية الثانية، التي تتحدث عن البركة للعالمين في هذا المكان، ندرك أهمية أن تكون القدس بيد المسلمين لا غير، وندرك خطر وقوعها في أيدي غير المسلمين، ليس على المسلمين فحسب، بل والعالم اجمع، وهو أمر ظل يتكرر مراراً عبر التاريخ، فعندما تكون القدس بيد المسلمين، فثمة سكينة ورحمة في الكون، وعندما كانت تقع بيد الغزاة، كان العالم ينفلت نحو الجنون والحروب باستمرار. عندما دخل الصليبيون للقدس للمرة الأولى، لم تكن تلك نهاية مرحلة من الحروب، بل بداية دموية استمرت مئة عام حول القدس، مات فيها آلاف الناس، وعندما عادت القدس للمسلمين، خرج إشعاعها الثقافي وأصاب الغرب كله، فمهد ذلك لزوال حكم الرهبان المستبد، وعندما دخل الإنجليز القدس كان العالم يغرق في ويلات الحرب العالمية الأولى، وعندما دخلها الصهاينة، دخل العالم في مشكلة جديدة، فليست هناك من نهاية، إلاّ بعودة القدس للديار الإسلامية، لما تعطيه العقيدة الإسلامية من أهمية للقدس، بوصفها مكان الإسراء، وبوابة السماء وأول قبلة للصلاة. وما يجري اليوم من انقسام في العالم، وما سيجري لاحقاً، سيثبت هذه الحقيقة، أن بقاء القدس إسلامية المعالم هو مفتاح بركة الكون. القدس اليوم التقليل من قيمة القدس الدينية هو أمر بات يعود من جديد، وتحويل قضية القدس إلى قضية تخص الفلسطينيين وحدهم هو ما باتت تسعى عليه طبقة الحكام الجدد، الذين ينتمون من حيث المنهج والتفكير إلى مدرسة الدولة الفاطمية، ومنهج السلطان الناقص المسمى بالكامل. فالأنظمة اليوم تسعى إلى اختراع بدائل سياسية تجد من خلالها جهات إسلامية تعيد القبول بالمبدأ الذي أطلقه سلاطين ذلك العصر، من تحويل القدس إلى مكان للعبادة لا غير، وبالتالي إعطاء المسلمين حرية دينية معينة مقابل تنازلهم عنها لليهود، وهو أمر يجري الإعداد له منذ زمن، وذلك بغية امتصاص الصحوة الإسلامية، وإدراك الشعوب الإسلامية أن السلام هو من يمثلها وهو من يحميها وليس السلاطين، بالتأكيد، إن عصر السلاطين ذاهب نحو الزوال، وعصر الإسلام قادم، وهو ما يخيف الغرب والعالم المعادي لهذا الدين.