فهرس الكتاب
الوسيلة الثامنة: الإعلام.
والإعلام يشمل كل ما يصل إلى الناس من رسائل، سماعا أو قراءة أو مشاهدة، أو كل ذلك مجموعا.
وهذه الوسيلة هي أعظم الوسائل سرعة، حيث يصل بعض أنواعها إلى الناس لحظة إرسالها، كما هو الحال في رسائل المذياع، والتلفاز، والهاتف، والفاكس، والبرق من كل أنحاء الأرض، وإلى كل بلدان العالم، كما يصل بعض أنواعها الأخرى خلال ساعات من كل أنحاء الأرض إلى كل البلدان، إذا قصد المرسل ذلك وتوافرت عنده الإمكانات كأشرطة الكاسيت والفيديو والصحف، من جرائد ومجلات ومنشورات، ويصل بعض أنواعها بعد إعداده خلال أيام، ومن ذلك المنشورات والكتيبات الصغيرة، بل الكتب التي جعلتها المطابع شبيهة بالجرائد في سرعة وصولها إلى القراء.
وقد حدثت اليوم وسيلة أخرى أسرع من جميع الوسائل، وهي: وسيلة"الإنترنت"التي يستطيع المرء عن طريقها أن يتجول في كل أنحاء العالم في لحظات، مستقبلا أو مرسلا، في كل ما يخطر بباله أو لا يخطر، ويستطيع الحصول على ما يريد، أو إيصال ما عنده إلى من يريد، بالصوت والصورة والكتابة، ويستطيع أن يحتفظ بما يريد من معلومات... كل ذلك مع قلة التكاليف التي تجعل كثيرا من الناس يتمكنون من الإفادة أو الاستفادة من هذه الوسيلة، بدون مشقة...
وقد أصبحت القنوات الفضائية الآن تغطي غالب أجزاء المعمور.
وهناك محاولات لاستحداث وسائل أسرع
كما أن هذه الوسيلة-وسيلة الإعلام-أكثر الوسائل انتشارا وأشمل تلقيا، حيث تصل إلى كل الناس: القارئ والعامي، المبصر والكفيف، الحاضر والبادي، كل منهم يستطيع أن يتلقى ما يناسبه قراءة أو سماعا أو مشاهدة.
وهي كذلك أيسر من كثير من الوسائل الأخرى-كالتعليم-فإن المتعلم مثلا يحتاج إلى ملازمة المدرسة في أوقات معينة، ويحتاج إلى كتب معينة وأساتذة معينين.
أما وسيلة الإعلام فإنها تصل إلى المتلقي وهو في منزله مشاهدة وسماعا وقراءة، فما أيسر أن يقتني المستمع مذياعا صغير الحجم يحمله معه أينما ارتحل فيسمع منه كل ما يريد سماعه، وكذلك يسهل عليه الحصول على شرائط كاسيت ومسجل صغير، وحمل ذلك معه وتكرار سماعه...
وهكذا بقية أنواع الإعلام، كالصحف والمجلات اليومية أو الأسبوعية أو الشهرية.
واستغلال هذه الوسيلة للوصول إلى عقول الناس، عظيم الأثر في العالم، ومن كان أقدر على استغلالها، كان أسبق من غيره إلى إيصال أفكاره ومبادئه إلى عقول الناس.
ولما كان طغاة الباطل في الشعوب الإسلامية هم المسيطرين على مرافقها، فقد احتكروا هذه الوسيلة احتكارا يكاد يكون مقصورا على نشر مبادئهم وأفكارهم لتحقيق أهدافهم ومصالحهم، ولما كان غالب حكام الشعوب الإسلامية علمانيين-كما يصرحون هم أنفسهم بذلك-فإن وسيلة الإعلام في بلدانهم قد أعدت لنشر كثير من الباطل وبثه وإذاعته، ومحاصرة الحق وأهله، والحجر على عقول الناس من أن يصل إليها ذلك الحق، وإذا أذن لشيء من الحق أن يصل إلى عقول الناس، فإن الحق الذي يؤذن له بذلك إنما هو جزء يسير لا يؤثر على مسيرة الباطل الذي هو الغالب.
وذلك الجزء اليسير من الحق يشبه قطرة طيب من العطر تلقى في بحر من القاذورات، لا تشم لها رائحة مع روائح الباطل المز كم للأنوف. لذلك تجد أهل الباطل أسرع سبقا، وأشمل تلقيا، وأوسع زمانا، في وصول باطلهم إلى عقول الناس، من أهل الحق الذين لا يملكون من الإمكانات ما يملكه أهل الباطل.
مظاهر التمكين للباطل، ومحاصرة الحق في وسائل الإعلام.
ويمكننا تَبَيُّنُ مظاهر نشر الباطل وبثه والتمكين له في وسائل الإعلام، ومظاهر محاصرة الحق وأهله والحجر على عقول الناس من أن يصل إليها الحق عن طريق تلك الوسائل، يمكننا تبيين ذلك من واقع وسائل الإعلام في كل البلدان التي يحارب حكامها الحق وينصرون الباطل.
المظهر الأول: إسناد الوظائف العليا إلى من يسند الباطل.
الوظائف العليا هي مراكز التوجيه والتخطيط والمتابعة، وهي لا تسند إلا إلى من عُرِفُوا بحب الباطل ومناصرته ومن أُشْرِبتْ نفوسهم حب الفساد ونشره في الأرض وإشاعة الفواحش ووسائلها، كما عرفوا ببيع نفوسهم بثمن بخس لمن يمنحونهم مناصب هذه الوسيلة، واستعدادهم الكامل ليكونوا أبواقا لهم يتلمسون-ولو من بعد-ما يرضي قادتهم، فيسخرون وسائل الإعلام كلها لتحقيق ذلك الهدف، مبالغين في قلب الحقائق وتضليل الناس، ليصبح الحق عندهم باطلا والباطل حقا، ويترتب على اختيار هؤلاء الموظفين الكبار الذين هذه بعض صفاتهم، أن يجمعوا حولهم موظفين من جنسهم وعلى شاكلتهم، يبالغون في إرضائهم كمبالغتهم في إرضاء القادة الذين اختاروهم، وبذلك تصبح وسائل الإعلام-في الغالب-مصادر تضليل وكذب وقلب حقائق، تطرق عقول الناس-باستمرار-بالباطل وتحول بين تلك العقول وبين وصول الحق إليها، إلا ما ندر مما فيه مصلحة تعينهم على تثبيت الباطل، وإزالة الحق ومطاردته.
المظهر الثاني: فتح أبواب هذه الوسائل لذوي الأفكار الفاسدة.