الحمدُ لله القوي العزيز، لهُ العزةُ جميعاً ولهُ المكرُ جميعاً ، وهو الكبيرُ المتعال ، وأشهدُ أن لا إله إلاَّ الله وحدهُ لا شريك له، أهلك عاداً الأولى وثمودَ فما أبقى، والمؤتفكةَ أهوى ، وبأسهُ لا يُردُ عن القومِ المجرمين قديماً وحديثاً ومستقبلاً، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه أحاطت به الأعداءُ ومكرَ به الماكرون ، وتطاولَ عليه المُجرمُون ، فما وهنَ ولا استكان ، بل صبرَ وجاهدَ حتى نصرهُ الله وردَّ كيدَ الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً، وكفى اللهُ المؤمنين القتال، وكان اللهُ قوياً عزيزاً ، اللهمَّ -صل وسلم عليه- وعلى سائر الأنبياء والمرسلين ، ورضي الله عن الصحابةِ أجمعين والتابعين، أوصيكم ونفسي بتقوى الله:
أيُّها المسلمون: يتكالبُ أعداءُ الإسلامِ في كلِّ زمانٍ محاربين دينَ الله ورسلَه والمؤمنين، ويتفننُ أولئكَ الأعداءُ في كلِّ عصرٍ بما يتناسبُ من وسائلِ الحرب والعداء.
وفي أيامنا هذه تشتدُ هجمةُ الأعداء، ويتجددُ مكرُهم، وتتوحدُ قواهم لضربِ المسلمين وحصارِهم - والمسلمونَ كُلَّما دهمتهم الخطوبُ رجعوا إلى كتابِ الله، فوجدوا فيه الشفاءَ والهدى والنور والضياء.
وحديثُ اليومِ عن مكرِ الأعداء من خلالِ آياتِ الكتابِ العزيز، ذلك الكتابُ المعجزُ المتجددُ في عرضِه وعبرِه، فما ذا نجدُ فيه عن مكرِ الأعداء ؟ وعاقبتهم ونهايتهم ؟.
أولاً: العداءُ والمكر سُنةُ جاريةٌ، وقَدرٌ إلهيٌ، قال تعالى: (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ) ) (سورة الأنعام:123) .
قال ابن كثير- رحمه الله-: (وكما جعلنا في قريتكَ يا محمد أكابرَ من المجرمين، ورؤساءَ ودعاةً إلى الكفرِ والصدِّ عن سبيل الله، وإلى مخالفتك وعداوتك، كذلك كانت الرسلُ من قبلك يُبتلون بذلك، ثُمَّ تكون العاقبةُ لهم، وقال تعالى:(( وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ) ) (سورة الرعد:42)
ثانياً: هذا المكرُ والعداءُ يتعاونُ عليه شياطينُ الإنس والجن ، كما قال ربُنا تبارك وتعالى: (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ) ) (سورة الأنعام:112) .
عن أبي ذرٍ- رضي الله عنه- قال: أتيتُ النبيَ- صلى الله عليه وسلم - وهو في المسجد، فجلستُ، فقال: (( هل صليت ؟ قلتُ: لا، قال: قُم فصلِّ، قال فقمتُ فصليتُ، ثم جلستُ، فقال: يا أبا ذرٍ تعوذ بالله من شرِّ شياطين الإنس والجن"قال: قلتُ يا رسولَ الله، وللإنس شياطينُ ؟ قال: نعم"شياطين الإنس والجن يوحي بعضُهم إلى بعض زخرف القوم غروراً ) ).
ثالثاً: وهذا المكرُ مع غرورِه تصغي إليه أفئدةُ من لا يؤمنون (( وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ ) ) (سورة الأنعام:113) .
إنَّ هؤلاء المغرورين بالزخرفِ يعملونَ ما يعملونَ من العداوةِ للهِ ولرسلهِ وللمؤمنين، ولا يكتفونَ بالإصغاءِ والسماع، ولا يقفونَ عند حدِّ الرضا والقبول، بل يقترفون ويُخططون ويعملون.
إنَّها آيةٌ ظاهرةٌ في تعاونِ الأعداءِ فيما بينهم ضدَّ الإسلام والمسلمين، والمعركةُ التي يقودُها الباطلُ والمبطلونَ ضدَّ الحقِّ يتجمّع فيها أصنافُ الشياطين، ويتعاونونَ لإمضاءِ خطةٍ مدبرةٍ، فبعضهم يُوحي إلى بعض، وبعضُهم يُغوي بعضاً.
رابعاً: ولكن هذا الكيدُ والمكرُ مهما بلغَ شانُهُ واجتمع لهُ الخصومُ من كلِ صوبٍ فليس طليقاً، بل هو مقيدٌ بقدرِ الله، ومحاطٌ بمشيئتهِ سبحانه، (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ) ) (سورة الأنعام:112) .
إنَّهُ لا ينطقُ كما يشاءُ بلا قيدٍ ولا ضابطٍ، ولا يصيبُ من يشاءُ بلا معقبٍ ولا رادع، وإنَّ الأعداءَ مهما بلغت قوتُهم ورادتُهم، فهي مقيدةٌ بمشيئةِ اللهِ ومحدودةً بقدرِ الله .
وهُنا يتعلقُ المؤمنُ باللهِ، ويُسلي نفسهُ موقناً بأنَّ القوةَ للهِ جميعاً، وأنَّ الخلقَ مهما صنعوا فهُم لا يشاءُون إلاَّ أن يشاءَ الله، فيعتصمُ المؤمنُ باللهِ وحده، ويتوكلُ عليهِ وحده، ويخافُ منهُ وحده، ويرجوهُ وحده، مع فعلِ الأسبابِ والأخذِ بسبُل النجاة .
خامساً: والماكرونَ لهم عذابٌ شديد، ومكرُهم يبور، (( وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ ) ) (سورة فاطر:10) .
قال أبو العالية: هُم الذين مكروا بالنبي- صلى الله عليه وسلم - لما اجتمعوا في دارِ الندوة، ( تفسير القرطبي ) [ 14/ 332] .