فهرس الكتاب

الصفحة 25456 من 27364

سياسة أمريكا في عهد"بوش"والخلفية الدينيّة المتطرّفة!

عوض الغنام / القاهرة 5/1/1427

فجأة وبلا مقدمات تحوّلت الولايات المتحدة الأمريكية إلى راعية للأديان وحارس على حريات عباد الله الدينية. وأصبح الدين في عهد بوش المحرك الرئيس للسياسة الخارجية الأمريكية من خلاله تتحدد المواقف من الآخر (المعونات ـ المساعدات ـ حقوق الإنسان) . والحقيقة أن الأمر لم يتحول هكذا بين يوم وليلة؛ إذ إن هناك مطابخ سياسية في الخارجية الأمريكية، ولجان بحث واستشارة تعمل منذ عدة أعوام على تحديد القضايا التي على أساسها سوف تعمل السياسة الخارجية الأمريكية في المستقبل، بعدما انتهت الحرب الباردة، واختفت معها قضايا مهمة كانت أهم العناصر التي تتعامل معها الخارجية الأمريكية مثل: الشيوعية وسباق التسلح والتنافس في أوروبا الشرقية. وقد اهتدى منظرو السياسة الخارجية لاعتماد معيارين للمستقبل:

أحدهما: هو ملف حقوقك الإنسان الذي بدأ التعامل معه مبكراً بوساطة تقارير الخارجية الأمريكية السنوية عن دول العالم.

والثاني: هو ملف الأديان أو كما يطلقون عليه (الحريات الدينية) ، وقد بدأ التعامل مع هذا الملف الثاني الحساس منذ عهد الوزيرة رايس التي شكلت لجنة استشارية معنية بالحريات الدينية في العالم، وضُم إليها شخصيات أغلبها من يهود أمريكا ناشطين في مجالات حقوق الإنسان، وكان الهدف الأساس من وراء ذلك هو ـ كما أُعلن ـ السعي نحو تفهم أكبر للمشكلات الدينية في العالم. وبعبارة أدق أن يجمع الأمريكان معلومات أوفر عن هذا الملف الساخن الحساس.

وقد عقدت هذه اللجنة الاستشارية عدة اجتماعات فيما بعد، والتقى بها مؤخراً الرئيس جورج بوش. ولكن فجأة دشنت هذه اللجنة باكورة عملها بإعداد تقرير عن اضطهاد المسيحيين في العالم، وأجملته ببضع صفحات عن الحريات الدينية في العالم بشكل عام. وقد شكلت بمناسبة تدشين هذا التقرير يوم 13 يناير الماضي مناسبة جيدة لمعرفة كيف يفكر المسؤولون الأمريكان في هذا الأمر، وكيف سيتعاملون مع هذا العامل الديني الحساس في سياستهم الخارجية؛ فقد أكد بوش في هذا اللقاء أن العمل لتعزيز الحرية الدينية في شتى أرجاء العالم سوف"يمثل جانباً مهما من سياستنا المتعلقة بحقوق الإنسان"، كما أنه سيكون موضع تركيز الدبلوماسية الأمريكية. وكشف بوش عن أن الكونجرس طلب بدوره إمداده بهذه التقارير عن حقوق الإنسان والحريات الدينية في العالم كي"يقيّم"على أساسها أداء دول العالم، ويمنحهم"الثواب والعقاب"!

كما كشفت رايس في المقدمة التي كتبتها لتقرير لجنة الحريات الدينية الخاص باضطهاد المسيحيين في العالم أن الكونجرس سيمنع المساعدات عن الدول التي تضطهد المسيحيين، وأن وزاراتها لن تتردد في التدخل لدى أي دولة تضطهدهم أو تعجز عن كفالة سلامة أي جماعات دينية. وحتى تؤكد السيدة الحديدية الجديدة رايس ما تقول حذرت بوضوح قائلة (سنستخدم جميع الأدوات المتاحة لدينا) ، ولم تنس بالطبع أن تذكر أن بلادها سوف (تستغل) كل الهيئات والمنظمات الدولية للضغط على الدول التي تنتهك حقوق وحريات المتدينين وخصوصاً المسيحيين، بل وكشفت أكثر عن أن هناك الآن في كل سفارة أمريكية في العالم قسماً خاصاً يرصد الأوضاع الدينية في هذه الدول، ويرسل تقاريره العاجلة إلى الخارجية الأمريكية، كما يتدخل في شؤون هذه الدول الأجنبية طالباً منها تحسين ملفها بالنسبة للحريات الدينية. وحتى إدارة الهجرة الأمريكية سوف تراعي قبول هجرة هؤلاء المضطهدين دينياً بشكل عاجل.

تدخل في الشؤون الداخلية

أيضاً قال (جون ساتاك) أحد مستشاري رايس لشؤون الديموقراطية وحقوق الإنسان: إن هذا الاهتمام بالدين سيكون في صلب السياسة الخارجية الأمريكية في فترة ما بعد الحرب الباردة، مؤكداً -بشكل غير مباشر- أن بلاده تسعى لفتح حوارات متواصلة مع أصحاب السلطة الدينية في شتى أرجاء العالم، وتمت بالفعل بعض هذه اللقاءات سواء في أمريكا أو سفاراتها في الخارج، كذلك لاحظ كل من قرأ تقرير الخارجية الأمريكية الأخير عن الأديان أن التقرير قد تضمن بوضوح دور السفارات الأمريكية في العالم في الاتصال بحكومات دول، وسؤالها عن بعض الوقائع التي تتهم فيها هذه الدول باضطهاد أو تجاهل الحريات الدينية لبعض أبنائها- خصوصاً المسيحيين- كما تضمن سرداً لعملية التدخل الأمريكي الفجّ في السياسات الداخلية لكثير من دول العالم، كأن واشنطن قد نصبّت نفسها راعية للمتدينين، بيد أن متابعة الملف الأمريكي في هذا الصدد تكشف مخاطر تحوّل هذا الأمر إلى ملف مدمر؛ فالأمريكيون -خصوصاً- في ظل هيمنتهم على النظام العالمي يسعون لشن حرب صليبية حقيقية ضد غيرهم من الدول بزعم أن هذه الدول تضطهد المسيحيين، ولا تحترم الحريات الدينية، وإذا كان الأمر سوف يبدأ بقطع المساعدات ومحاربة هذه الدول في الهيئات الدولية والتحريض ضدها. فما الذي يمنع من السعي لإسقاط أو الدخول في حرب مع هذه الدول- ولو من الباطن- كما يحدث حالياً في إفريقية ومناطق آسيوية أخرى..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت