فهرس الكتاب

الصفحة 8332 من 27364

عبد الحق بوقلقول 14/11/1427

يلاحظ على أغلب كتابات الإسلاميين في الفترة الأخيرة أنهم يجدون أنفسهم ملزمين على أن يعلنوا موقفهم بوضوح، من قضية ما يعرف إعلامياً بالمد الشيعي خصوصا منذ إقدام الولايات المتحدة على غزو العراق في شهر آذار/مارس 2003 حيث صحب عملية السطو هذه، إخفاق كارثي على كل المستويات بالنسبة لصناع الإستراتيجيا في واشنطن إلى درجة قال عنها المدير الوطني لكل الهيئات الإستخباراتية الأمريكية جون نيغروبونتي نفسه قبل يومين فقط: أنها أكثر خطورة من الوضعية التي كانت عليها السياسة، و العسكرية الأمريكية.

طبيعي إذن أن يصاحب هذا الإخفاق، أو ينتج عنه بالأحرى، امتدادات أخرى فالفيزيائيون مثلا، يقولون أن: 'الطبيعة تنفر من الفراغ' بمعنى أنه من غير الممكن علمياً أن يتحقق الفراغ في ظل ظروف اعتيادية، و هذا معناه أنه من الطبيعي جداً أن يلي سقوط نظام الرئيس صدام حسين، حالة تمدد آلية لأن نظام صدام على الرغم من كل عيوبه - التي لم تكن حكراً عليه وحده- كان يمثل ثقلاً إقليمياً يلعب دور الجسم الموازن في لعبة التجاذبات الدولية.

هذه مقدمة ضرورية لا بد من الخوض فيها مسبقاً حتى يفهم المتابع أن واقع السياسة و الدبلوماسية الدولية لا يرضى بالجمود و بالتالي فإنه كان يفترض قبل سنوات من الآن، أن تفكر النخب فيما قد يعنيه خلو المنطقة من الرئيس صدام و نظام البعث الذي كان يقوده و باختصار شديد: لا بد من طرح السؤال بشكل مباشر: لماذا تخلفت النخب السياسية و الفكرية العربية؟ أو فلنكن أكثر وضوحاً و لنصفها باسمها فنقول 'السنية'، عن توقع تمدد وتقوي النظام الإيراني و استشراف مستقبل علاقاته مع حلفائه من المعارضة العراقية التي كانت شيعية في غالبيتها؟

لندع هذا الأمر جانباً و لنحاول الآن تتبع واحدة من أكثر إفرازاته الإستراتيجية وضوحاً، و هي الحالة اللبنانية و تعقيداتها التي بلغت مؤخرا نقطة ما كان ينبغي الوصول إليها لو أن الدول الإسلامية في المنطقة، تعاطت مع جوانبها و مشكلاتها بصيغ أخرى غير التربص و التنافر.

ما الذي حل بالطبقة السياسية في لبنان إذن، حتى تندفع عبر هذه الطريق الموحشة و التي قد تؤدي إلى الانفجار الطائفي بعد أن تأكد الاصطفاف المذهبي؟

لا يمكن لأي متتبع لواقع و مستجدات السياسة في لبنان عبر الشهور الأخيرة إلا أن يعترف بأن الاحتقان المرجعي قد بلغ مداه و أن كل الفرقاء قد دفعوا بالوضعية إلى نقطة اللارجوع خصوصاً منذ مآسي الصيف الأخير، و ما عرفته المدن، و القرى هناك من جحيم صبته من فوقها طائرات الاحتلال الصهيوني وسط صمت عربي مطبق و تواطؤ غربي مفضوح بطريقة لا نبالغ كثيراً حينما نقول أنها كانت شامتة في حزب الله الذي قاد البلاد وفقا لتعابير خصومه، إلى التهلكة. و لكن المشكلة التي طرحت نفسها بقوة بعد ذلك ملخصها أن الحزب الذي خرج متعافياً على الأقل، حتى لا نقول أكثر من ذلك، رأى أنه من حقه بعد أن فشل مخطط خصومه، أن يستحوذ وسط المشهد السياسي اللبناني على المكانة التي تليق بحجمه الشعبي و مصداقيته النضالية التي حازها رغماً عن الآخرين.

من هنا يمكننا أن نطرح التساؤل الأهم: لماذا يصر الفريقان على أن يصطبغ الخلاف بينهما بالطابع المذهبي؟ ما الفائدة التي ترجى حينما يقوم مفتي الجمهورية نفسه بإمامة صلاة الجمعة في السراي الحكومي؟ أليس في هذا السلوك الأخير وحده، دليلاً على أنه تقرر دق إسفين الخلاف المذهبي بين السنة و الشيعة تحديداً و بكيفية لا تخفى خطورتها على أحد؟ ثم، ألا يدرك سماحة المفتي أنه بهذا التصرف، يمنح الخصومة بعداً أعقد بكثير من حجمها فيجعلها ذات طابع مذهبي على الرغم من أنه كان يفترض من الشيخ قباني أن يعمل في سبيل أن يحتفظ منصبه بمكانة أرفع من كل منصب سياسي أو إداري هناك؟ هل كان بطريرك الموارنة أكثر حنكة و مراساً و هو الذي لم يجاهر بمخالفة مخالفيه على الرغم من أنه لم يدخر جهداً في سبيل مساندة موافقيه؟

إنها أسئلة تطرح نفسها، و لا يمكننا من باب حسن الظن بالمسلمين هنا، أن نطعن في نيات أية جهة إلا أنه من حقنا أن نفهم السبب الذي لأجله اصطفت الحكومات الغربية و أولها، أمريكا، وراء الطاقم الوزاري الذي يقوده فؤاد السنيورة في الوقت الذي لما تجف فيه دماء قتلى القنابل الذكية التي أطلقتها طائرات الصهاينة بعد إلى درجة أن أحدهم كتب يقول:"يكفي السنيورة عاراً أن حكومته تلقت الدعم و المساندة من بوش"!!!

من غير العلمي قطعاً أن يكون موقفنا مجرد الحرص على معاكسة توجهات واشنطن و باريس و مثيلاتها و لكنه ليس في وسعنا و لا مقدورنا توظيف أدوات غيرها على أمل ألا يكون الأمريكان قد انتبهوا لهذا فصاروا يوجهوننا حيثما أرادوا فقط من خلال إعلان عكس ذلك !!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت