المعلن في هذه الأزمة الحالية يفيد بأن سبب المشكلة مرده إلى المحكمة الدولية، و لكن الحقيقة غير ذلك لأن هنالك مشكلات أخرى مستترة إذ أن هنالك غضباً مستشرٍ في عدد كبير من الأوساط من هذا التوزيع الطائفي و ما أفرزه من محاصصة وزارية و إدارية تفسر على أساس أنها ضرورات طائفية -نسبة إلى مقررات مؤتمر الطائف-.
على حسب الوزير غازي العريضي فإن هذه:"هي المرة الأولى على الأقل منذ اتفاق الطائف التي يشعر فيها اللبنانيون بالخوف والذعر من النزول إلى الشارع. لماذا؟ لأن حرباً نفسية مورست ضدهم من قبل أصحاب الدعوات والتهديدات باللجوء إلى الشارع لإسقاط الحكومة"
الواضح أن هناك محاولات لتعديل بعض بنود تلك الاتفاقية، علماً بأنها قد أصبحت جزءً من القانون الدولي، حسب نصوص قرارات مجلس الأمن و آخرها القرار 1701، والذي أشار نصاً إلى هذا الاتفاق. و فضلاً عن ذلك فإنه في وسعنا أيضا أن نلحظ وجود تخوف من قبل حزب الله حول طبيعة مهمة قوات اليونيفيل فهي قد تصبح وفقا لذات القرار، المليء بالألغام، بمثابة جندي يشرف على الحصار الذي يمكن أن تقوم به قوات حفظ السلام الدولية في لبنان، وصولاً إلى نزع جزئي لسلاحه الثقيل.
هنالك من يرى أيضا أن لبنان، كنتيجة لشروط وقف إطلاق النار في آب/أغسطس الماضي، قد أصبح تحت وصاية الأمم المتحدة وكل من الولايات المتحدة وفرنسا، و بالتالي فإن سيادته باتت منقوصة و من هنا فإن القرار اللبناني لم يعد يصنع في بيروت بالضرورة و إنما أضحى ملكاً لعدد كبير من العواصم أولها واشنطن، و آخرها طهران مروراً بالرياض.
هذا يعني أن المأزق الحالي لا يمكن بأي حال من الأحوال، أن يكون مجرد نتيجة طبيعية لوضع داخلي مأزوم و إنما هو أيضا نتيجة فعلية لتجاذبات دولية عديدة بمعنى أنه من قدر اللبنانيين أن يستعدوا مجدداً لخوض مواجهة جديدة داخلية بالأساس إذا ما استمرت الأوضاع على ما هي عليه.
قد يكون للأمريكيين دور محوري في ما يجري حالياً و هم الذين يعلنون صباح مساء، أن مشروع الشرق الأوسط الكبير ما يزال مطروحاً و لا يحتاج الوضع بالتالي أن يكون الواحد منا عظيم الفطنة حتى يدرك أن لبنان قد يكون محطة 'استراحة' يحط فيها المارينز المطرودون من العراق لأن هؤلاء لن يعودوا إلى أمريكا دفعة واحدة بكل تأكيد، إلا أن هذا لا ينفي أن أنظمة المنطقة بريئة من أي تصعيد لأن المشكلة التي بدأت سياسية صارت اليوم تأخذ زياً طائفياً.