السبت:12/10/2002
(الشبكة الإسلامية) د.رضوان جودت زيادة
شهد المسار التاريخي للعالم الغربي تحولات وتقاطعات عدة، إذ لم يستمر هذا السياق بالخط نفسه، بل سيمر بلحظات صعود وانكسار ستشكل بمجملها تاريخ المجتمع الغربي بكل رهاناته ومآلاته. وإذا غضضنا طرفاً عن نظرية التقدم الكلي التي أطلقها هيغل، وتبعه فيما بعد ماركس، فإننا سنلحظ أن تاريخ الغرب نفسه لم يشهد الصعود نفسه أو السقوط نفسه، إنه لم يكن تاريخاً صقيلاً متسقاً كما عبّر فوكو.
عاش الغرب نهضته وأنواره وحداثته وهو الآن على أعتاب أن يعيش ما بعد حداثته، وكل هذه الفترات إنما هي نتاج حراك ثقافي اجتماعي اقتصادي وسياسي ولدت الفترة الخاصة بزمنها. وضمن هذا المنظور نفسه تتم مقاربة مفاهيم الديمقراطية، التعددية، حقوق الإنسان، الحداثة وغيرها من المصطلحات التي يشكل التاريخ الغربي الحاضن المعرفي لنشوئها وظهورها، ذلك أن أية محاولة لأسطرة المفهوم أو تأبيد النظرة بمعنى جعل المصطلح مبدأ كونياً يجب تعميمه وعولمته، ومن ثم إطلاق الأحكام المعيارية والقيمية على الآخر وفقه هي محاولة تخرج عن سياقها المعرفي لتدخل ضمن الأطر الأيديولوجية التي تحتفظ لنفسها بمسبقات نظرية تشكل الأرضية المعرفية التي تنطلق منها وتحاور الآخر من خلالها.
إن لكل حضارة وثقافة مسارَ تشكلٍ خاصًا بها مرتبطًا بتطورها، واتساقاً مع ذلك يفرز هذا المسار مفاهيمه التي تعبر عن رؤيةٍ للعالم خاصةٍ به حسب تعبير اشبنجلر ونظرةٍ للآخر مُشكَّلة وفق بناه التي أفرزها التاريخ المجتمعي بكل مصائره واختلافاته وتحولاته.
و هذه ليست نظرة تحاول اختلاق خصوصية مفتعلة في زمن عولمة ترى الهوية موتاً والذاتية والتأصيل وهماً، وإنما هي نقد لمشروعية سؤال العالمية والكونية، إذ إن أي خطاب مفرز يقتضي وفق النظام السيميوطيقي مرجعاً يتحدث من ضمنه وينطلق وفقه، فالسؤال ليس في منطق العالمية وإنما في التشكيك في مشروعيتها. ولكن هل يعني هذا شرعيةً لكل حضارة أن تتقوقع داخل نفسها لتشكل بنية مصمتة بذاتها تحاور نفسها بنفسها؟ إن ذلك لو صحَّ نظرياً فإنه لا يصح تاريخياً الذي هو المحك الرئيسي الذي تختبر عليه أمثال هذه المقولات ؛ إذ على كل حضارة أن تنتج خطابها الخاص بها لتحاور به، وإنما كنقطة بدءٍ للوصول إلى خطاب يسع الجميع وتتفق عليه الأطراف.
منطق الثنائيات ..
هذه الإشكالية التي تسم المجتمعات غير الغربية بحكم كونها المُطالَبة بتطوير خطابها وتحريره، إشكالية الخصوصية والعالمية حكمت الكثير من المفكرين العرب والمسلمين منذ بداية الاتصال العربي الإسلامي - الغربي وحتى الآن. إنها بشكل أو بآخر ثنائية أخرى تنضم إلى العديد من الثنائيات التي أفلح العرب والمسلمون في صنعها أو اختلاقها العروبة / الإسلام ، التراث/الحداثة، الأصالة/المعاصرة، الديمقراطية/الشورى ، الإسلام /الديمقراطية … إلى آخر هذه السلسلة غير المنتهية واللامتناهية. وتفترض الثنائية عند تركيبها نوعاً من التناقض أو درجة ما من التوفيق يقتضيها الجمع بين متعارضين ، وفض الثنائية وتفكيكها يغدو صعباً بعد تكونها كثنائيات الإسلام والحداثة والإسلام والغرب وغيرها ، فهي فضلاً عن أنها تحوي لبساً يغدو ظاهراً من طرفيها ؛ فمثلاً هي تجمع بين طرفين ليسا متماثلين فالإسلام دين إلهي والحداثة أشبه ما تكون بالزمن التاريخي الذي تكوّن غربياً ، والغرب مجال جغرافي تحدد تاريخياً، فما الذي يجمع بين الدين والتاريخ ، أو بين الدين والجغرافيا ، أقول فضلاً عن ذلك كله فالثنائية تحوي تركيباً ليس متجانساً بالضرورة ويصعب بعدها إعادة صياغة الثنائية وفق منطقها الطبيعي ، إذ تكون عندها قد صكت وأنجزت وبدأ الكلام يدور في إشكاليتها .
لقد شكل منطق الثنائيات هذا عائقاً معرفياً وابستمولوجياً على طريق تجديد الخطاب وتطويره بحيث حصر التفكير في أحد طرفي الثنائية، أو في أحسن الأحوال في العلاقة بين الطرفين حتى تصبح كل محاولة لتجاوز هذه الثنائية محكوماً عليها بالفشل مسبقاً لأنها تنطلق في أولياتها من
نفس المبادئ التي وضعت وفقها هذه الثنائيات.
سؤال الإسلام والديمقراطية:
وليست ثنائية الإسلام والديمقراطية ببعيدة عن ذلك كله ، فالإسلام كدين بدأ تاريخياً منذ (14) قرنًا من الزمان وانطلق من أرض جزيرة العرب ، والديمقراطية نظام سياسي تعود أصوله إلى اليونان البعيد وترسّخت جذوره مع الغرب الحديث على ضوء صيرورته التاريخية الزمنية في القرنين التاسع عشر والعشرين ، فما الذي يجمع بين طرفي الثنائية حتى يتم تشكيلها أو تركيبها . وغالباً
ما يكون القصد من وراء ذلك هو السؤال المضمر في طيّاتها و يتعلق بمدى قدرة الإسلام كدين على الانسجام مع الديمقراطية كنظام سياسي ،