فهرس الكتاب

الصفحة 26981 من 27364

(الفوضى الخلاّقة) في نُسختها الطائفيّة!

د.مسفر بن علي القحطاني * 22/9/1427

برز مصطلح الفوضى الخلاّقة في الآونة الأخيرة على ساحة التحليلات الإستراتيجية للأزمة الراهنة في لبنان وفلسطين وحتى العراق، وهذا المصطلح الفلسفي ليس وليد الحالة السياسية المعاصرة، بل قديم المرجعية والتأصيل، فقد جعله (أفلاطون) من أنظمة الحكم الفاسدة للمدينة الفاضلة؛ إذ إن الحرية المطلقة هي"الفوضى"ذاتها، والفوضى عند اليونان هي"العماء"الشامل. ولذلك سمّى (أفلاطون) المدينة التي تقوم على"الحرية"بهذا المعنى بـ"حكم الدهماء". وهو النوع نفسه الذي حذّر منه الفقيه المالكي (ابن رشد الحفيد) منبّهاً إلى أن الاجتماع في مثل هذه المدن (مدينة الحرية) إنما هو اجتماع بالعَرَض؛ لأن سكان هذه المدينة لم يكونوا ليقصدوا باجتماعهم غرضاً واحداً يجمعهم، وإنما بحسب اختلاف المشارب والأهواء توطنوا تحت ذريعة الحرية لكل فرد؛ فهو حكم الدهماء الفاشل في نواميس المجتمعات.

هذه المصطلح الفلسفي يعود مرة أخرى إلى الساحة السياسية، وضمن تقويم الوضع الأمثل لدول المنطقة العربية، ويحمل في طياته أجندة مجهولة ومستقبلاً مخيفاً؛ لكنه الأكثر تفاؤلاً وقبولاً لدى صنّاع القرار العالمي، فوزيرة الخارجية الأمريكية (كوندوليزا رايس) قبل زيارتها للمنطقة العربية في أواخر يوليو 2006م أدلت بحديث إلى صحيفة (الواشنطن بوست) ، و أبدت تأييدها الكامل للتحوّل الديموقراطي في المنطقة العربية، حتى وإن أدّى ذلك إلى تغيير واستبدال الأنظمة الحليفة والموالية! ووجهت انتقادات عنيفة إلى سياسة القبول بالأمر الواقع بدعوى الحفاظ على الاستقرار. وعندما قيل لها إن الأوضاع التي تسيطر على المنطقة العربية لا تترك مجالاً آخر سوى للاختيار بين الفوضى أو صعود الإسلاميين للسلطة، قالت (رايس) : إن الوضع الحالي"ليس مستقراً"، وإن الفوضى التي تفرزها عملية التحول الديموقراطي في البداية هي من نوع"الفوضى الخلاقة"التي ربما تنتج في النهاية - حسب الزعم الأمريكي- وضعاً أفضل مما تعيشه المنطقة حالياً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت