فهرس الكتاب
لقد حوّل المحافظون الجدد في أمريكا مبادئ الثورة الفرنسية القائمة على (الحرية والعدالة والمساواة) إلى حرية فوضوية تختفي منها العدالة، وتتفرد فيها المصلحة الأمريكية!، والرئيس الأمريكي (جورج بوش) كعادته لا يستطيع أن يخفي ميوله الأيديولوجية وطموحه السياسي، فها هو يؤكد للعالم إستراتيجيته نحو"الفوضى الخلاقة"في أحد مؤتمراته الصحفية، والتي نشرتها (النيويورك تايمز) بقوله:"إذا أردتم الاطلاع على مفهومي للسياسة الخارجية فاقرؤوا كتاب (ناتان شارنسكي) ، فإنه سيساعدكم على فهم الكثير من القرارات التي اتُخذت والتي قد تُتخذ". و (ناتان شارانسكي) يهودي مهاجر من روسيا إلى إسرائيل أصبح وزيراً لفترة واحدة في عهد (شارون) ، وقد قابله الرئيس الأمريكي (جورج بوش) في مكتبه بالبيت الأبيض، وأبدى بالغ إعجابه بكتاب (قضية الديمقراطية) ، والتي شرح فيه (شارنسكي) نظرية"الفوضى الخلاقة"التي يدعو فيها أمريكا إلى استخدام الطائفية كوسيلة للقضاء على محاور الشر وتحقيق الديمقراطية في المنطقة العربية. و (شارانسكي) له رؤى صداميّة وعنصرية؛ فهو يعد الإسلام حركة إرهابية لا تهدد إسرائيل فقط وإنما تهدّد العالم الغربي بأكمله، ويرى أن استئصال الإرهاب لا يتم باستخدام القوة وتجفيف المنابع فقط، وإنما بمعالجة الأسباب العميقة للإرهاب التي تنبع من سياسات الأنظمة العربية الاستبدادية والفاسدة وثقافة الكراهية التي تنشرها، ويتفق (شارانسكي) بهذا الطرح مع الأطروحة الشهيرة لـ (هانتنغتون) التي تنص على أن الإسلام عدو حضاري للغرب. ويدعّم سياسة المحافظين الجدد في إستراتيجيتهم نحو"الفوضى الخلاقة" (اليوت كوهين) في كتابه (القيادة العليا، الجيش ورجال الدولة والزعامة في زمن الحرب) ، ويرى كوهين أن الحملة على الإرهاب هي الحرب العالمية الرابعة على أساس أن الحرب الباردة هي الثالثة، ويؤكد بأن على الولايات المتحدة أن تنتصر في الحرب على الإسلام الأصولي من خلال فوضى الطائفية و القضاء على الراديكالية. والإستراتيجية الأمريكية ليست بالجديدة على هذه السياسة، فقد انتهجت"الفوضى الخلاقة"في أكثر من مكان في العالم ولمرات عديدة؛ ففوضى الاحتواء المزدوج في التعامل مع الثورة الخمينية أثمر عن قيام الحرب العراقية الإيرانية! وعقب انهيار جدار برلين وسقوط الشيوعية وتفكك الاتحاد السوفييتي اعتمدت الولايات المتحدة إستراتيجية الفوضى البنّاءة في التعامل مع الجمهوريات المستقلة، وتُعدّ رومانيا نموذجاً مثالياً لتفجير الفوضى في بلدان أخرى؟!، وبالرجوع إلى المظاهرات التي عمت جورجيا وأوكرانيا كان العنصر الحاسم في نجاح المظاهرات هو التهديد بالقوة من قبل الولايات المتحدة، وذلك بعد تحوّل السياسة الخارجية الأميركية من الاحتواء المزدوج أيام الحرب الباردة إلى إستراتيجية أمركة العالم بالقوة، والعمل على تغيير الأنظمة والجغرافيا عن طريق"الفوضى الخلاقة"، ولا مانع من اعتماد الاحتلال المباشر إذا لزم الأمر في ظل غياب إستراتيجيات الردع للإرهاب أو الفاشية الإسلامية على حدّ زعم الرئيس (بوش) .
وخلال زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية (كوندوليزا رايس) لمصر قبل عدة أشهر دعت إلى تغييرات ديموقراطية في الشرق الأوسط، وقالت في محاضرة ألقتها في الجامعة الأمريكية بالقاهرة:"إن الولايات المتحدة سعت على مدى ستين عاماً إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة على حساب الديمقراطية، ولكنها ستتبنى الآن نهجاً يدعم"التطلعات الديموقراطية لكل الشعوب". وهذا المعنى مشكل من حيث تطبيقه على أرض الواقع ؛ لأن التطلعات الديمقراطية أصبحت رهان كل القوى الطائفية والسياسية في المنطقة، بمعنى أن دعم هذه التطلعات الديمقراطية سيعيد تشكيل المنطقة سياسياً وجغرافياً إلى (شرق أوسط جديد) بدأ التسويق له والتسابق الأعمى نحوه."
السؤال المهم الذي ينبغي أن يُطرح على القوى المؤثرة في المنطقة العربية: ما هو الدور الأمثل لمواجهة هذا التغيير الذي ينذر بـ (سايكس بيكو) جديدة قد تؤدي تلك الفوضى الديمقراطية إلى هيمنة قوى عظمى خارجية على سياسات واقتصاديات وثروات دول المنطقة؟!