فهرس الكتاب

الصفحة 21963 من 27364

د: يحيى هاشم حسن فرغل

يدور نقاش حول اعتبار كل من العلمانية والديموقراطية محض آلتين (وسيلتين) ينبغي حصر تقييم كل منهما بحسب ما تستعملان له.

وفي رأينا أن ذلك غير وارد بالنسبة للعلمانية في المجال الإسلامي..

ولبيان ذلك نذكّر بما كتبناه سابقا عن مصطلح العلمانية من أن لفظة العلمانية ترجمة غير دقيقة لكلمة (Secula r ism) في الإنجليزية، أو (Secula r ite) بالفرنسية، وهي كلمة لا صلة لها بلفظ"العلم"ومشتقاته على الإطلاق. فالعلم في الإنجليزية والفرنسية معناه (Science) والمذهب العلمي (Scientism) والنسبة إلى العلم هي (Scientific) أو (Scientifique) في الفرنسية.

أما الترجمة الصحيحة لمفهوم العلمانية فهي (اللادينية) أو (الدنيوية) .

تقول دائرة المعارف البريطانية مادة (Secula r ism) : (هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيهم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها) .

أما معجم أكسفورد فيشرح الكلمة بمعني:"دنيوي، أو مادي، ليس دينيا ولا روحيا: مثل التربية اللادينية، الفن أو الموسيقى اللادينية، السلطة اللادينية، الحكومة المناقضة للكنيسة. وبمعنى ألا يكون الدين أساساً للأخلاق والتربية"..

وفي"المعجم الدولي الثالث الجديد"جاء شرح مادة: (Secula r ism) على أنها:"اتجاه في الحياة أو في أي شأن خاص يقوم على مبدأ أن الدين أو الاعتبارات الدينية يجب ألا تتدخل في الحكومة، أو استبعاد هذه الاعتبارات استبعادا مقصوداً، فهي تعنى"السياسة اللادينية البحتة في الحكومة"."

وبالرجوع إلى معجم ويبستر فإن (العلماني: يعني"الدنيوي أو اللاديني والأشياء الدنيوية المتمايزة عن الأشياء الروحية. والعلمانية: رؤية للحياة أو أي أمر محدد يعتمد أساسا على استبعاد الدين وكل الاعتبارات الدينية وتجاهلها، ومن ثم فهي نظام أخلاقي اجتماعي يعتمد على أن المستويات والسلوكيات الاجتماعية يجب أن تحدد من خلال الرجوع إلى الحياة المعاشة والرفاهية الاجتماعية دون الرجوع إلى الدين) ."

هذا وإن كان بعض الكتاب يحاولون فض الاشتباك بين الإسلام والعلمانية حيث يرجعون إلى تعريف معجم لاروس الفرنسي للعلمانية بأنها"فصل الكنيسة عن الدولة"sepa r ation de l'Eglise et de l'Etat قائلين: إنه أدق تعريف لها وإذن فشأنها متصل بالكنيسة ولا شأن لها بالإسلام: (لأنه أي هذا التعريف يضعها في سياقها الثقافي والاجتماعي، ويكشف عن حدودها الزمانية والمكانية، على خلاف التعريف المبهم الذي يستخدمه أنصاف المثقفين في الوطن العربي، حين يجردون العلمانية من سياقها التاريخي ويصبغونها بصبغة عالمية، فيعرفونها بأنها"فصل الدين عن الدولة". ) إذا كان ذلك كذلك فإن التطبيق الواقعي لها في منبتها وتسويقها في بلادنا الإسلامية آل إلى وضع كلمة"الدين"موضع كلمة"الكنيسة"وحيث لا كنيسة للإسلام اخذوا يطالبون بإبعاد"الدين"عن الدولة في مختلف ممارساتها الخاصة بتنظيم شئون الحياة في السياسة والتربية والإعلام والثقافة والفن والعلم على السواء.

وهذا ما بدأ تطبيقه بتوسع مندفع منذ ما يقرب من قرن، في بعض البلاد الإسلامية مثل تركيا، وببطء محسوب في بلاد أخرى مثل مصر...

وتتميما للفائدة فإني أشير هنا إلى الدراسة القيمة للأستاذ الدكتور عبد الوهاب المسيري في كتابه المشترك بعنوان"العلمانية تحت المجهر"وهو خير من يستشهد به في هذا المقام إذ قدم تعريفا للمصطلح واضعا إياه في سياقه التاريخي مع متابعة نشوئه، من تاريخ ما سمي"صلح وستفاليا"الذي يقال إنه أوقف الحروب الدينية في أوروبا عام 1648، ثم أصّله بتعريف واضح لجون هوليوك في النصف الثاني من القرن التاسع عشر: أن العلمانية هي"الإيمان بإمكانية إصلاح حال الإنسان من خلال الطرق المادية، دون التصدي للإيمان، سواء بالقبول أو الرفض" (ص 12) .

وإذا كان البعض يرى في هذا التعريف نوعا من الحياد بالنسبة للدين فإن الدكتور المسيري يكشف عما فيه من انحياز ضد الإيمان الديني، وذلك عبر استهداف نموذج لإصلاح حال الإنسان بالطرق المادية يجب الوصول إليه من غير طريق الإيمان.

وإذا أردنا أن نربط هذا التعريف بتطور العلمانية في التفكير الأوربي الذي أنتجها إلى الوقت الراهن يمكننا القول بأنها أي العلمانية قد مرت بأربعة أحوال خضعت فيها لقانون التناقض (الفعل ورد الفعل) الخاضع بدوره لسنة الله في الكون، وهي سنته في توليد التناقضات، لوضع سقف لعلو المتعالي منها، وإن بضرب بعضها ببعض، وتسليطها ضد من لا يوظفون أنفسهم في إسلام النفس لله..

المرحلة الأولى: والتي ظهرت فيها كرد فعل لطغيان الكنيسة وفسادها في القرون الوسطى..وذلك باستبعاد الدين"الكنيسة"من وظيفة الدولة للحالة السياسية... إلخ.

المرحلة الثانية: والتي ظهرت فيها العلمانية في مواصلة حركتها في نفس الاتجاه كاستكمال لحركة الاندفاع الأصلية في محاربة الدين، وذلك بمحاولة القضاء عليه كلية باعتباره أفيونا للشعوب، وحصلت من ثم التجربة الفاشلة في الاتحاد السوفيتي والأنظمة التي دارت معه..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت