فهرس الكتاب

الصفحة 21964 من 27364

وقد ظهرت المرحلتان في العالم الإسلامي باعتبار ما لهذا العالم من ذاتية نسبية من ناحية، ولكن في المقام الأول باعتباره"كوكبا تابعا"بحكم هذه الدورة الحضارية الخارجة عن نطاق سيطرته أو قيادته.

المرحلة الثالثة: ونتيجة لفشل المرحلة الثانية خضوعا لقانون التناقض نفسه - حصل رد الفعل المعاكس برجوع الدين، إلى التربع على كرسيه في الغرب المسيحي كمسرح للأحداث الكبرى في الدورة التاريخية المعاصرة وكما يقول السفير الألماني السابق مراد هوفمان(فالحكومات الغربية جمهوريات ديمقراطية مسيحية، وذلك بالقانون، عدا فرنسا.

في ألمانيا مثلاً: الله مُعتبر في الدستور، والأحد إجازة رسمية، وكذلك الأعياد المسيحية. وفي الكريسماس يتوجه كل من المستشار والرئيس بكلمة للشعب في الكريسماس، وتعلم المدارس الحكومية الديانة المسيحية بواسطة مدرسين تدفع الدولة مرتباتهم.

ويُقسم الجنود بالله على ولائهم للجمهورية والدفاع عنها. وتجمع الإدارة المالية الحكومية"ضريبة الكنيسة"للإنفاق على الديانات المسيحية المعترف بها وهي: الكاثوليكية، اللوثرية، الإصلاحية، وعلى اليهودية. وللكنائس الحق في قرع أجراسها، والتجديف جريمة يُعاقب عليها في قانون العقوبات، ويوجه الأساقفة الكاثوليك ـ رمزاً ـ إلى اجتناب التصويت لبعض الأحزاب؟!. كذلك الحال في البلدان الأوروبية الأخرى، وأمريكا أما في فرنسا فالعلمانية تؤخذ على أنها دين. ).

الحالة الرابعة: مرحلة استكمال حركة استرجاع الدين، ولكن مع إضافة توظيفه في صدام الحضارات ومحاربة الإسلام - وبخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية - كما عبر عنها هانتنجتون، وهذه الحالة هي الأكثر ظهورا وتأثير في مجال العلاقة بين الإسلام والغرب المسيحي.

الحالة الخامسة: - ما زالت في طور الجنينية - مرحلة مجاراة حركة استرجاع الدين ولكن مع تهذيبها ومحاولة مقترحة نظريا في توظيفها في المصالحة مع الإسلام من وجهة نظر الأستاذ جون فول.

وابتداء من المرحلة الثالثة يمكن أن نقرأ في وضوح انهيار العلمانية أو نهايتها في ظاهرة استرجاع الدين لسدة الحكم والتأثير في الأحداث في الغرب، سواء بتوظيفه في وحشية الصدام وهو الغالب، أو بتوظيفه في المصالحة مع العدو (الإسلام) وهو أي هذا التوظيف - ما يزال صوتا خفيضا في مرحلة الدراسة الأكاديمية.

وفي جميع الأحوال فسنة الله نافذة في توليد التناقضات لوضع سقف لعلو المتعالي منها، وتسليطها ضد من لا يوظفون أنفسهم في إسلام النفس لله، وفي هذا المعنى يقول الله - سبحانه وتعالى - (كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى، إن إلى ربك الرجعى) .

ولعله من هذا القبيل ما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن أنس - رضي الله عنه - وذكره في باب التواضع: قال كانت ناقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم تسمى العضباء وكانت لا تُسبق، فجاء أعرابي على قعود له فسبقها، فاشتد ذلك على المسلمين، وقالوا:"سبقت العضباء"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن حقا على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه) . أنظر مقالنا بعنوان"قضية التناقض"بجريدة الشعب بتاريخ 14\ 6 \ 2003

إنها العلمانية التي اختاروها طريقا للنهضة:

وهكذا الأمة الإسلامية أو قل العربية: تعاطت مخدر العلمانية تسريبا ثم تعاطته اختيارا، ثم تعاطته إدمانا منذ سقوط دولتهم في بداية القرن الماضي وآن للمخدر أن يشرف بها على الهلاك.

إنها العلمانية في حدها الأدنى باستبعاد الدين، ومن ثم استبعاد الالتفاف حوله، وتجريم الاعتصام بحبله، وهجر الانتصار بنصره، وإغفال سنته في العمل الصالح بشريعته، وإسقاط الجهاد وشروط الجهاد، وتسخيف الدعاة إليه وإهمال تعبئة الجماهير به، واستئجار المناصب والسلطات والفتاوى ضده.

إنها العلمانية التي أدرك قبح فعلها - وإن لم يدرك دلالة اسمها - عامة المسلمين الذين درجوا منذ زمن بعيد على تشخيص كل انحراف بأنه إنما نشأ من"البعد عن الدين"ولكنهم ويا للمفارقة - استمرءوها.

إنها العلمانية وكفى تساؤلا ساذجا:

إنها العلمانية المحلية بالذات تلك المدسوسة بيننا، المسماة ببعض أسمائنا، والتي قامت بدور"السبب الضروري"وإن لم تكن هي السبب الكافي.

ومن أحدث تجلياتها قيام حرب كونية يقودها الصليبي المحدث: بوش الإبن، من أجل زرع ما يسميه الديموقراطية في أرض يخصبها أولا بالعلمانية بعد أن يقتلع منها الإسلام.

هذه هي الخلفية التي يراد زرعها قبل السماح بالديموقراطية

ولا صحة لما يردده بعض كتابنا الذين نكن لهم كل احترام من التسوية بين الديموقراطية والعلمانية من حيث اعتبار كل منهما آلية يمكن استعمالها لما يراد من تطوير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت