فهرس الكتاب

الصفحة 21965 من 27364

نقول ونكرر: العلمانية ليست محض آلية فبالرجوع إليها في حقل إنتاجها نجدها مبدأ لنظرية سياسية في تكييف العلاقة بين الدين ونظام الحكم، ففي المرحلة المعتدلة من نشأتها ذهبت إلى اعتبار الدين أمرا شخصيا لا شأن للدولة به كما لا شأن له بالدولة، ومع ذلك فهو لا يسلب المسيحية كدين من كل قيمة لها وإن كان ينكر عليها بعض تعاليمها، وفي هذا الطريق ظهرت بعض الاتجاهات في فلسفة فولتير (1694- 1778) في فرنسا، وليسنج في ألمانيا (1872) ، وشفتسبري في انجلترا (1671- 1712) وجون لوك في انجلترا (1632- 1704) .

ومن فلاسفة هذه المرحلة الفيلسوف الإنجليزي"هوبز" (1588 1679) الذي ذهب إلى أن الدولة عقد، وأن عليها أن تسوق الإنسان بالإكراه إلى الانضمام لهذا العقد، نظرا لطبيعته الأنانية - على العكس من نظرة روسو (1712- 1778) الذي كان يرى هذا الانضمام نابعا من طبيعة إنسانية خيرة، ويتحدث هوبز عن سيادة الدولة فيجعلها المصدر الوحيد للقانون والأخلاق وكذلك الدين ويقول في شأن ذلك"لهذا أعلن أن سلطة الدولة العليا لها الحق في أن تفصل هي في بعض التعاليم: هل هذه التعاليم تُحتمل بالنسبة لطاعة المدنيين للدولة أم لا؟ فإذا كانت لا تحتمل فيجب تحريم انتشارها"…. وللدولة ممثلة في الأكثرية أن تفعل ما تريد، وللجماعة أن تستحسن أو تستقبح ما تشاء فهي مقياس الأشياء ومعيار القيم..

وفي المرحلة الثانية: مرحلة العلمانية المتطرفة، وهي مرحلة القرن التاسع عشر كانت قد بلغت قمتها في التطرف في الفكر المادي التاريخي ابتداء من فيورباخ 1804-1872 حيث سار قدما نحو إلغاء ثنائية الغيب والشهادة أو الغائب والشاهد، والكنيسة الأوربية والدولة: لحساب الإيمان بالمحسوس وحده، وبالمادية وحدها، والإنسان هو الموجود الإلهي وليس الله، والدين الجديد هو السياسة وليس المسيحية، والسياسة يجب أن تكون دينا، والله والدين ليس أي منهما أساس الدولة وإنما أساسها الإنسان وحاجته، ليس الإيمان بالله ولكن الشك في الله هو ما يجب أن يكون العامل في قيام الدولة، والدولة هي مضمون الواقع كله، وبهذا تصبح الدولة مناقضة للدين، ويصبح الإلحاد العملي هو الرباط بين مكونات الدولة.

وبهذا مهد فيورباخ الطريق التي سلكها من بعده كارل ماركس مع زميله إنجلز نحو تأسيس ما سمى بالمادية العلمية التاريخية الإلحادية، وتعود تلامذة ماركس أن يلقبوه بأبي الاشتراكية العلمية، حيث كان يرى أن الحقيقة المادية هي الأصل للعالم، وما عداها مما له طبيعة"الفكرة"كالعادة والأخلاق والقانون والدين والثقافة تابع في الظهور لتلك الحقيقة (المادة) .

كما ذهب ماركس إلى أن هدم المسيحية مقدمة ضرورية لبناء عالم يكون فيه الإنسان سيد نفسه، وهو لا يرفض المسيحية وحدها ولكن كل دين كذلك، إذ الدين في غيبياته عن الألوهية والآخرة والجنة والنار والملائكة والروح والجن.. إلخ يسلب الإنسان وعيه بمأساته وشقائه، في الوقت الذي يمنيه فيه بعالم أفضل وإذن فـ"الدين هو أفيون الشعوب"أنظر"العلمانية والإسلام بين الفكر والتطبيق"للأستاذ الدكتور محمد البهي نشرة مجمع البحوث الإسلامية لعام 1976ص 10 - 13 18 19 20 - 2122..

ومن هنا فإن الأستاذ الدكتور المسيري يرى في العلمانية مثل ما ذهبنا إليه - ما هو أبعد من فصل الدين عن الدولة، ألا وهو النموذج المادي الذي تنطوي عليه، والذي يشكل"رؤية تفسيرية شاملة للعالم والكون"ترتكز على عناصر مادية ترفض أي مرجعية متجاوزة أو ما ورائية. ويرى كما رأينا في كتابنا عن العلمانية - أن هذه العلمانية الشاملة لا تتجسد في المجال السياسي عبر فصل الدين عن الدولة فحسب، - وهذا في حد ذاته يمثل خروجا على الإسلام - ولكن في كل مجالات الحياة الإنسانية الأخرى الاجتماعية والاقتصادية والمعاملاتية والأخلاقية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت