فهرس الكتاب

الصفحة 13251 من 27364

د. بشير موسى نافع **

يواجه الليبراليون العرب أزمة متفاقمة؛ فسياسيا بات الاتجاه الليبرالي العربي (الجديد) -بوعي أو بدون وعي- يخدم مباشرة سياسات الإمبريالية الجديدة التي تقودها الإدارة الأمريكية الحالية وبعض حلفائها في المعسكر الغربي، وفكريا يكرر الليبراليون العرب تجربة الحركة الماركسية العربية التي انتهت إلى مدرسة فكرية أرثوذكسية ترى العالم من خلال منطلقات أيديولوجية مصمتة، بغض النظر عن حقائق الواقع البسيطة والواضحة.

يضم التيار الليبرالي العربي عشائر متباينة الأصول من مثقفين وكتاب ورجال سياسة وتجارة. بعضهم يعود في أصوله إلى الأحزاب والمنظمات الماركسية التي انتعشت في الستينيات والسبعينيات، ثم سرعان ما أصاب أغلبها الانقراض والعزلة بفعل الاندحار العالمي للمعسكر الشيوعي. وهؤلاء هم أكثر الليبراليين العرب دوغمائية وعدمية؛ إذ ربما تحركهم دوافع الإحساس بالذنب تجاه الماضي الماركسي العبثي، والرغبة في تطهير الذات وتبرئتها من ذلك الماضي، ولكنهم لسبب أو لآخر عجزوا عن التحرر من منهجية القراءة الأحادية الأيديولوجية للواقع.

الجهل سبب الفهم المشوه

ما تغير في خطابهم ليس منهج النظر؛ بل مصطلحات الخطاب ولونه وتحالفاته الدولية. وبعضهم إسلامي سابق، أو حتى إسلامي حالي، ممن انتهى بهم ميزان القوى العالمي والهجوم على العالم الإسلامي إلى كراهية الذات، ومحاولة إخراج الإسلام في نسخة معاصرة، حديثة وعصرية -وبالطبع ديمقراطية- في استلهام مشوه لاتجاهات الإصلاح الإسلامية في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، أو في محاولة اعتذارية.

وهؤلاء هم أكثر الليبراليين العرب جهلا وكسلا ذهنيا، يعرفون القليل عن التجربة التاريخية العربية الإسلامية، ويحسبون قراءتهم الانتقائية لها التي تفتقد إلى أبسط قواعد المنهجية الغربية رؤية نافذة للتاريخ. ولكن جهلهم الأكبر هو بالنموذج الغربي ذاته، النموذج الذي يشكل مرجعيتهم المستبطنة، وهو جهل مركب لتاريخ النموذج وتطوره، وواقعه الاجتماعي والسياسي وتعقيدات خطابه الفكري. وبعضهم أصحاب مصالح تجارية وسياسية، طفوا على الساحة العربية بفعل الانقلابات المفاجئة في الاقتصاد العربي خلال العقود الثلاثة الماضية، بفعل السمسرة التجارية أو السياسية، أو بفعل انقلابات توازن القوى في العالم والنزوع الفطري للاحتماء بالأقوى. وهؤلاء هم أكثر العشائر الليبرالية العربية انتهازية، وأغلبهم لا يخفي حقيقة دوافعه، وطبيعة الدور الذي يقوم به، والمصالح الذاتية التي يسعى وراءها.

الليبراليون الأصلاء..قلة

قلة من الليبراليين العرب هم الذين يمكن تسميتهم بالليبراليين الأصلاء؛ فأولئك الذين قادوا أحزابا مثل حزب الوفد وحزب الأحرار الدستوريين في حقبة ما بين الحربين، أو رجال الفكر والسياسة من أمثال محمد حسين هيكل، ومعروف الدواليبي، وعلال الفاسي. فهؤلاء هم الليبراليون الوطنيون الذين تحركهم دوافع الحفاظ على الاستقلال، ودفع التدخل الأجنبي، وإقامة علاقة سوية مع المعسكر الغربي، والنهضة العلمية والاقتصادية، وتعزيز القيود الدستورية على سلطة الدولة. ولكن طغيان العشائر الليبرالية الأخرى على الساحة، وانتشارها، وعلو صوتها جعل الليبراليين الأصلاء فئة أقرب إلى الانقراض والتقوقع، منها إلى الاستمرار والحيوية.

بدأ الاتجاه الليبرالي العربي (الجديد) في الصعود وبلورة خطابه منذ نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات. وقد جاء صعود الخطاب الليبرالي على خلفية من تحولات دولية وإقليمية دراماتيكية. فقد انهارت الكتلة الشيوعية، وتعرضت روسيا إلى انقلاب أيديولوجي كبير، وبرزت الولايات المتحدة باعتبارها القوة العظمى الوحيدة في العالم، وأدت أزمة الدخول العراقي إلى الكويت والحرب التي نجمت عنها إلى انقسام عربي فادح، ثم جاءت اتفاقية أوسلو ليبدو وكأن القضية الفلسطينية قد وصلت إلى منعطف تاريخي يخرجها من الوعي العربي الجمعي.

عالج الليبراليون العرب مجمل هذه التحولات والواقع العربي المتولد عنها من خلال منظارغربي (بل أمريكي) مستتر. كان الشعار الأعلى صوتا في الخطاب العربي الليبرالي هو شعار ضرورة التحول الديمقراطي في العالم العربي، واللحاق بركب الديمقراطية المتزايد نفوذا وانتشارا في العالم أجمع. ولكن هذا لم يكن كل شيء؛ فقد تبنى الليبراليون العرب النتائج السريعة التي توصل إليها بعض الأكاديميين الغربيين ذوي الأجندة السياسية (مثل برنارد لويس وأوليفييه روي) ، وأعلنوا أن فكرة القومية العربية قد انتهت، وأنه قد آن الأوان للقذف بمشروع الوحدة العربية إلى سلة مهملات التاريخ. كما أعلنوا نهاية الإسلام السياسي، ليس فقط كمشروع دولة كان يستدعي ويستحق النقد والمراجعة بالفعل، بل أيضا نهاية دور الإسلام وقيمه في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية للمسلمين.

ساعدوا في الانتشار الإسرائيلي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت