والمفارقة هنا هي أنه في الوقت الذي يتيح فيه المجتمع الديمقراطي الليبرالي كل هذه الحرية بل والتحرر للفرد في ما يتعلق بآرائه وأفكاره وتصرفاته التي قد تخرج على النمط العام السائد في المجتمع فإن هذا المجتمع نفسه يرفض منح مثل هذا الحق للجماعات العرقية والأقليات الوافدة المقيمة فيه ويمنعها من ممارسة حياتها بطريقتها وأسلوبها الخاصين تبعا لمنظومة القيم الدينية والأخلاقية التي تعتنقها، بل إنه قد يعمل على نبذ وطرد هذه الجماعات إن أخفق في احتوائها ودمجها تماما في الثقافة القومية التي تعترف بها الدولة. ويزداد الموقف تعقيدا في الحالات التي تتمركز فيها تلك الجماعات بأعداد كبيرة في مناطق محددة وفي شكل يلفت الأنظار إليها بحيث يمثل وجودها وسلوكها نوعا من الاستفزاز لمشاعر بقية السكان كما هو شأن العرب في فرنسا والأفارقة في بريطانيا والأتراك في ألمانيا وهكذا.
وكثيرا ما تثير هذه الأوضاع مشكلات ذات أبعاد سياسية وأخلاقية وفلسفية حول إمكان التوفيق بين الاعتراف بمبدأ التعددية الثقافية وفقا للفكر الليبرالي وبين المحافظة على وحدة المجتمع وتماسكه وهويته الثقافية المتميزة على رغم عدم التجانس ورفض الأقليات التنازل عن هويتها كخطوة للاندماج في الكل الاجتماعي. فالمأزق الذي تواجهه هذه الدول الديمقراطية إذا هو صعوبة الجمع بين مبدأ احترام الآخر بخاصة إذا كان هذا الآخر ينتمي في الأصل إلى ثقافة غير ليبرالية وغير ديمقراطية ومتطلبات المحافظة على الوحدة وعلى الكيان الاجتماعي والثقافي مع الالتزام في الوقت ذاته بمبدأ العمل على تحرير الأفراد من القهر الاجتماعي الذي قد يتعرضون له من جراء انتمائهم إلى ثقافاتهم الأصلية المحافظة. وقد تمثل هذا المأزق في الآونة الأخيرة في موقف فرنسا من غطاء الرأس أو الحجاب الذي تتمسك به المواطنات المسلمات. وأخذت المسألة أبعادا قد تكون أكبر من حجمها الحقيقي ونشأت عنها أزمة اجتماعية انقسم الرأي العام حيالها وكان من الممكن أن تتحول إلى أزمة سياسية تتجاوز حدود الدولة الفرنسية.
والواقع أن مسألة الحجاب كانت أثيرت في فرنسا نفسها في الثمانينات من بعض الكُتاب بحجة الدفاع عن علمانية التعليم في دولة علمانية ليبرالية، وشاركتهم في ذلك بعض الحركات النسائية التي ترى في الحجاب رمزا على قهر المرأة المسلمة واستعبادها، ولم يعط الرأي العام الفرنسي لهذه الدعاوى كثيرا من الاهتمام في ذلك الحين بعكس ما حدث أخيرا مما قد يوحي بوجود عوامل أخرى جديدة ساعدت على اشتعال الموقف مثل تزايد الشعور بخطورة اتجاهات بعض الجماعات الإسلامية الرافضة لثقافة الغرب.
تناقضات أم نفاق اجتماعي؟
والغريب في الأمر هنا هو أن بعض الأوضاع المناقضة للقيم الغربية ولحركات التحرر النسائي لم تثر في فرنسا مثل الأزمة التي أثارها تمسك المسلمات الفرنسيات بالحجاب. والمثال الذي يحضرني هنا هو ظاهرة تعدد الزوجات في العائلات الأفريقية المقيمة في فرنسا. ففي الثمانينات أيضا من القرن الماضي سمحت الحكومة الفرنسية للمواطنين من أصول أفريقية باستدعاء زوجاتهم العديدات للإقامة معهم. ويقدر البعض عدد هذه العائلات البوليجامية بحوالى مائتي ألف عائلة في باريس وضواحيها، ويبلغ حجم بعضها عشرين شخصا يقيمون في مسكن واحد تحت ظروف غير آدمية حيث تزدحم المساكن بالزوجات وأطفالهن مما لا يحقق للمرأة خصوصياتها حتى في معاشرة الزوج. وحاولت الحكومة الفرنسية أخيرا معالجة هذا الوضع الذي يتعارض مع الأعراف والقيم والقوانين الغربية فاعترفت بزوجة رسمية واحدة فقط واعتبرت الزيجات الأخريات باطلة. وبطبيعة الحال لم يغير هذا الإجراء من الواقع شيئا بالنسبة لتعدد الزوجات وإن نجمت عنه مشكلات جديدة تتعلق بالوضع الاجتماعي والقانوني لهؤلاء الزوجات"الأخريات"وأطفالهن ومصيرهم جميعا.
وفي مقال طريف بعنوان"هل التعددية الثقافية ضارة بالنسبة للمرأة؟"ظهر في"بوسطون ريفيو"تقول الكاتبة سوزان موللر أوكين: إن ادعاء الحركات الليبرالية والنسائية الرغبة في تحقيق المساواة بين الجنسين وتحرير المرأة من الاضطهاد والقهر الاجتماعي لا يمكن اعتباره مبررا كافيا لثورة الرأي العام الفرنسي ضد حرص النساء المسلمات على التمسك بالحجاب كرمز للهوية الثقافية الخاصة بينما لا يعترض هذا الرأي العام الفرنسي ذاته على تعدد الزوجات الأفريقيات على رغم أن المرأة الأفريقية نفسها ترفض هذا النظام وتطالب بإلغائه. فهناك تناقض بين الموقفين يكشف عن نوع من النفاق الاجتماعي في مجتمع ليبرالي ديمقراطي المفروض أنه يحترم الخصوصيات الثقافية للمواطنين مما قد يشير إلى وجود أبعاد وعوامل أخرى خفية تفرض على دول الغرب الديمقراطي اتخاذ مواقف متعارضة ومتناقضة إزاء مشاكل من النوع نفسه. وهذا يتطلب من هذه الدول مراجعة سياساتها حتى لا تفقد صدقيتها أمام الشعوب.