الاثنين:29/04/2002
(الشبكة الإسلامية) عبد الرحمن الحاج إبراهيم
-الكتاب: ملامح العقلانية العلمية في التراث العربي الإسلامي
-المؤلف: محمد أحمد عواد
-الناشر: الأصدقاء للنشر/ عمان
-الطبعة: الأولى 2001م
كنا قد نشرنا من قبل الجزء الأول من قراءة هذا الكتاب ، وأنت عزيزي القاريء مع تتمة المقال .
4-الفلسفة وعلم الكلام:
هل تكون لدى الفلاسفة المسلمين عقلانية علمية من نوع ما، وللإجابة على هذا السؤال نقدم نموذجين من الفلاسفة هما:
أولاً: الفلاسفة الذين تبنوا العقلانية الصورية، فهؤلاء اعتقدوا بإجماع أنّ المنطق منهج مناسب للفيلسوف، وهو علم دقيق محايد يرتبط بقضايا الفكر، وقواعده صحيحة، ويمكن أنْ يساعدنا في ضبط تصوراتنا الفلسفية، وذهب بعضهم إلى ضرورة استخدامه أيضاً في العلوم الاختبارية، بصورة واضحة، إذ يعتبر من المسلمات الرئيسة في العلم، ومناهجه لا غنى للعالم أو الفيلسوف عنها، ولم يتوقف الأمر عند هذه الحدود، بل تجاوز بعضهم ذلك إلى حد الاعتقاد أنه كافٍ بذاته على صعيد الفلسفة.
ومعروف أنّ المنطق الأرسطي يتضمن قضايا ميتافيزيقية مضمرة فضلاً على أنّه بالقوة يدفع إلى التقليد الميتافيزيقي، فهو ابتداء مبني على نزعة واقعية في الكليات، وهذا ما لم يتنبه إليه هؤلاء الفلاسفة، فقد تصوروا أنّ نظرة أرسطية للكليات سليمة، فهو يُّقر أنها موجودة على مستوى الأذهان، لكنّ لها وجوداً بالقوة على المستوى الخارجي، وهذا الحل لم يخرجنا من النزعة الواقعية للكليات، فضلاً عن أنّ عوامل الإضافة والتركيب على مستوى العقل تدفع بهذه الكليات إلى مسافات بعيدة يصعب التحكم فيها، ومن ثم تساهم في بناء عوالم غيبية مختلفة، وهي بشكل أو بآخر مسؤولة عن نظرية الفيض بأشكالها كلها، ومقولة العقل الفعّال، ونظرية عشق العالم للإله، وحياة النجوم... الخ.
كان هؤلاء يتصورون أنّ ما وصلوا إليه صحيح من الناحية الاستنباطية، لكن إذا اعتمدنا هذا المعيار فقط، فكل القضايا الميتافيزيقية تتساوى في الصدق والكذب، إذ لا معيار يمكن أنّ يحسم بينهما، ومن هنا كانت نظرة ابن حزم النافذة بضرورة الالتزام بإمكانية رد هذه الأفكار إلى قضايا حسيّة أو عقلية بسيطة أو إلى دليل بواسطة التجربة، لكن معظم هؤلاء الفلاسفة لم يقبلوا بوجهة النظر هذه، رغم أنهم كانوا يعتقدون بإجماع بأنّ قانون السببية يحكم العالم.
لكنّ المشكلة هي في طريقة البرهنة على السبب، ومعظمهم كانوا يلجأون هنا إلى تقسيمات تحكمية لا مسوغ لها، كما هو الحال في مسألة الواجب والممكن، وبهذا أصبح عالم الأفكار لديهم مطابقاً للعالم الخارجي، وتحوّل الكلي من تعميم منهجي لغايات الفهم إلى كلي مطلق هو الأصل، وأصبحت الماهية المنجزة قانوناً صارماً خارج الزمان، وعلى الواقع أنْ يتطابق معها، مما يشكل عقبات رئيسة أمام نمو المعرفة العلمية. وقد ارتبط بهذه النزعة موقف محدد تجاه العقل، فهو يمتلك صلاحيات مطلقة في البحث في الشؤون الميتافيزيقية!
ثانياً: يختلف الفلاسفة الذين ينتمون إلى هذا الأنموذج عن الفلاسفة السابقين، فهؤلاء قبلوا المنطق كمنهجية للفيلسوف، لكنهم لم يقبلوا النتائج التي أُنجزت فلسفياً من الفلاسفة السابقين، بل يعتقدون أنهم لم يلتزموا كثيراً بالمبادئ المنطقية وخالفوها، التأويل أحياناً وقد نبّه ابن رشد تحديداً إلى أنهم انطلقوا من عالم ما بعد الطبيعة إلى الطبيعة، أي من عالم الأفكار لبناء عالم الوقائع، وهذا ليس صحيحاً، فالأصل أن تكون مبنية استناداً إلى عالم الوقائع، لكن قبل ابن باجة وابن رشد المنطق دون القيام بأية عملية تقويمية له، اقتناعاً منهم بصدق الصورة الأرسطية، ولم يأخذ الاثنان بمحاولة ابن حزم الذي أجرى تعديلاً جريئاً له في ضوء تبنيه للنظرة الإسمية، ومن ثم على مستوى نظرية الحد لم يعد ابن حزم يسعى للبحث عن الماهيات، والكليات عنده أسماء لا غير، وتميز هؤلاء الفلاسفة بمسألتين، فرقتا بينهم وبين السابقين:ـ
أولاً: لم يمنحوا العقل صلاحيات مطلقة للبحث في الشؤون الميتافيزيقية وفرض ابن حزم الحظر المطلق عليه، أمّا ابن باجة وابن رشد فقبلا فيما يبدو تحديداً جزئياً له، إذ في ضوء هذا نفسر رفضهما لنظرية الفيض والعقول.
ثانياً: تبنى هؤلاء الفلاسفة مبدأ الفصل بين الدين والعقل، فهما نسقان مختلفان من حيث المبدأ، ولم يقبلوا بتأويل الفارابي أو الإلغاء السينوي المشرقي، واختلفوا في تصوير طبيعة العلاقة التي يجب أن تقوم بينهما بعد الفصل، فقد أعطى ابن حزم دوراً محدداً للعقل في الخطاب الشرعي وتجاوز ابن رشد الحدود عندما منح العقل صلاحيات مطلقة في تأويل النص باعتبار أنّ أهل البرهان هم الأقدر على فهمه، وقد رفض الموقف الرشدي من اللاحقين مثل الشاطبي وابن تيمية.