فهرس الكتاب

الصفحة 22558 من 27364

يعتبر هذان المبدءان من المبادئ الرئيسة في العقلانية العلمية، وهو الذي دفعنا إلى تمييزهم عن السابقين فهم حقاً تبنوا العقلانية الصورية، لكنهم رفضوا التأويل الفلسفي الذي قدمه السابقون، وتجاوز ابن حزم الآخرين بصورة خاصة، ويمكن اعتباره نموذجاً لوحده على العقلانية العلمية بين الفلاسفة، وذلك بتبنيه عدداً من القضايا الرئيسة فيها، وهذه القضايا الحزمية هي:

أولاً: قَبِلَ ابن حزم مكتسبات العقلانية الصورانية، وبخاصة المنطق ومبدأ السببية، وهو يقبل هذا الأخير بصورة تامة، فكل التفسيرات عنده سببية، أمّا المنطق فهناك ضرورة في إعادة بناءه من جديد، في ضوء النظرة الاسمية للكليات، ويقبل القياس من حيث هو آلية للبرهان.

ثانياً: الفصلُ بين عالم الغيب وعالم الإنسان، والإنسان لا يستطيع معرفة قضايا عالم الغيب، وإنما مجاله الخاص به هو عالم الإنسان، لذلك نادى بحظر النشاط الميتافيزيقي على العقل بصورة تامة.

ثالثاً: المعرفة ممكنة، لكن يجب أنْ يدعمها دليل، بمعنى أنّ القضية الصادقة لابد أن يدعمها على الأقل دليل واحد من الأدلة العلمية الأربعة وهي:

1-أوائل الحس. 2- أوائل العقل. 3- التجربة. 4- الخبر الصادق.

وكلُّ قضية مركبة يجب أن يكون بإمكاننا تحليلها إلى قضايا بسيطة مدعومة بهذه الأدلة، فإذا لم يتوافر هذا الشرط، فالقضية كاذبة.

رابعاً: الفصل بين الدين والعقل، ولا يجوز إلغاء أحد الطرفين لمصلحة الآخر، فهما نسقان مختلفان، ودور العقل في الخطاب الديني لا يتعدى المساندة والفهم والتمييز.

خامساً: رفض كل القضايا الأسطورية التي لا دليل عليها مثل عقول النجوم، وأفعال السحر.

تصور هذه القضايا الصورة الأولى للعقلانية العلمية في الفلسفة الإسلامية، ونحن لا ندعي كمالها، وإنما ستتطور، عند اللاحقين وهي تشهد بأنّ حقل الفلسفة قد تأثر بالعلوم الاختبارية والعقلانية العلمية عند ابن حزم هي نتاج مباشر لهذا التأثير.

5-المعرفة العلمية:

رفض ابن تيمية وابن خلدون الفلسفة المستندة إلى المنطق الصوري كمنهجية للفيلسوف، وهذا الرفض هو موقف فلسفي وينبع من فلسفة مارسها الاثنان، وإن لم يعطيا لها اسماً، ووجدنا أنّ التسمية المناسبة لهذه الفلسفة هي"العقلانية العلمية".

فكلاهما نادى بأنّ الأساس الأخير للمعرفة هو العقل، لكنّ هذا العقل ليس العقل الذي نجده في العقلانية الكلامية أو العقلانية الصورية، وإنما العقلُ كما نجده في المعرفة العلمية، ومن ثم هي فلسفة تتحدد بعلاقاتها بالعلم ابتداءً، فهي تقبل قضايا العلم الصادقة، والمنهجيّة المتبعة فيه، وتستثمرها في حقول مختلفة باعتبارها المنهجية الأمثل للبحث، وعلى الصعيد المنطقي تلتزمُ بمنطق لا يخالف مبادئ المعرفة العلمية، وتلتزم بمبادئ ستة رئيسية، تكون البنية العميقة لهذا الخطاب، وهي:

أولاً: مبدأ مصادر المعرفة الأربعة:

ذهب الاثنان إلى أنّ المعرفة هي نتاج تكامل بين الحس والعقل وما يبنى عليها مثل التجربة والأخبار الصادقة، وهذه هي مصارد المعرفة العلمية، ومصادر كل معرفة صادقة ممكنة، وبهذا قال الجاحظ، وابن الجوزي، والشاطبي والمعري وابن حزم وغيرهم كثيرون.

ثانياً: مبدأ حظر النشاط الميتافيزيقي على العقل:

يذهب الاثنان إلى أنّ موضوع المعرفة [الإنسانية] هو العالم المادي الذي نصل إليه بالحس والعقل والتجارب، وينبني على هذا أنّ مجال العقل الذي تظهر فيه فعاليته هو هذا العالم. فالمعرفة ممكنة للإنسان لهذا العالم، ويمكن أنْ نصل إلى قضايا صادقة بشأنه. وينبني على هذه المسألة قضيتان:

أ- هناك عالمان على الصعيد الأنطولوجي، هما: عالم السماء [الغيب] وعالم الإنسان.

ب- حدود مجال العقل وفعاليته هي عالم الإنسان، أمّا عالم السماء فلا يستطيع العقل أنْ يقدم معرفة يقينية بشأنه، لأنه يقع خارج مجال فعاليته.

ومن ثم نادى الاثنان بضرورة الفصل المنهجي بين العالمين، وتقييد مجال العقل في هذا العالم، وحظر النشاط الميتافيزيقي عليه، وبهذا نادى ابن حزم وابن خلدون، والشاطبي والمعري.

ثالثاً: مبدأ ضرورة الموضوعية في المعرفة:

ذهب الاثنان إلى أنّ عالم الإنسان يخضع لمبدأ السببية، فهناك أسباب ومسببات على الصعيد الأنطولوجي، وعلينا الوصول إلى التفسيرات السببية على الصعيد المعرفي. ويجب من ثم أن يصل الآخرون إلى النتائج ذاتها، لأنّ المعرفة بطبيعتها غير ذاتية، والمعرفة العلمية بالذات تتسم بهذه السمة فهناك إمكانيةٌ للتحقق من نتائجها من قبل آخرين، أمّا المعرفة الذاتية التي تبقى حبيسة ذات العارف، فلا تستحق أن تسمى معرفة، وهذه هي الموضوعية في المعرفة.

رابعاً: مبدأ الفصل بين عالم السماء والإنسان:

يذهب الاثنان إلى أنّ عالم السماء لا يمكن معرفة تفاصيله بالعقل، وقصارى ما يمكن الوصول إليه هو إثبات الوجود الإلهي، أمّا ماهية هذا الوجود وصفاته فلا يمكن معرفتها بالعقل، وهي عموماً موضوع الدين. وبهذا قال الشاطبي وابن الجوزي.

خامساً: مبدأ الفصل بين الأنساق الثلاثة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت