فهرس الكتاب

الصفحة 24353 من 27364

ثمة مقولة ترى بأن قرب الحضارات من بعضها البعض في العصر الحديث، يجعل الحوار في ما بينها اكثر الحاحا من أي فترة تاريخية مرت بها البشرية. ويبدو ان الحاجة الآن اكثر من اي وقت مضى الى فكر فعال ذي بعد انساني قادر على تجسير المسافات وردم الهوة التي ما لبثت ان تزداد اتساعا بفعل المعطيات والتحولات.

نحن بالتأكيد بأمس الحاجة الى لحظة تأمل واسترخاء، تقوم على القراءة الهادئة العميقة بطريقة موضوعية لا محاباة فيها ولا تجن. ومن الطبيعي ان صفاء الذهن يقود الى رؤية نافذة تتسم بالبحث في العلل والحفر في التراكمات.

اننا نحتاج الى فتح النوافذ لطرد الفاسد من الهواء، ومن ثم علينا ان نحلم بعالم جديد حتى تتحقق ثقافة التسامح وهي ما فتئت ان ترنو الى مناخات التعايش والسلام.

* الحرب النفسية

* فالأحداث الاخيرة وما رافقها واعقبها من افرازات، ساهمت ـ بلا ادنى شك ـ في تهشيم جسد التواصل الانساني، واعاد الى الاذهان اشكالية الصراع بين الحضارات الانسانية، لتفرض نفسها على الساحة وكأنها صيرورة وهي ليست تطورا في الزمن فحسب، بل انها ـ كما يعتقد هيغل ـ قبل كل شيء تطور غير رمني يحدث داخل الاشياء والافكار فيغيرها من حالة فقيرة ومجردة نسبيا الى حالة اكثر غنى وموضوعية.

وعند المحاولة لتحليل او الوقوف على حقيقة العلاقات الانسانية، لا بد لنا من الارتكاز على (الفكر الاجتماعي) الذي يترك بصماته على تركيبة المجتمع (أي مجتمع) كاشفا اطاره واسلوب تفكيره، وهو ما سوف نستعرضه لاحقا.

غير ان من تابع الاعلام الغربي، لا سيما بعد الاعتداءات في نيويورك وواشنطن، يلمس الى اي مدى تم تكريس مفهوم الحرب الفكرية تجاه العرب، وفعلا قد اجاد الاعلام الغربي بمهارة فائقة في تنمية العداء والكراهية للعالمين العربي والاسلامي من قبل الشعوب الغربية، ولعل الاحداث التي تعرض لها بعض العرب في اميركا وبريطانيا دليل قاطع على قدرة الاعلام في التأثير على الفكر الاجتماعي الذي يعتبر مكملا للواقع الاجتماعي. وهذه الحملات (الحرب النفسية) ـ كما تقول احدى الدراسات ـ اكثر خطورة من الحرب التقليدية، وعزت ذلك الى كونها تهدم الشخصية من الداخل، فضلا على انها حملات مُقّنعة فلا تظهر علنية ورأت ان اطلاق هذه الحملات، انما يستهدف النيل من القيم والعقائد، وهز الانسان العربي في شخصيته خاصة في ظل شعوره بالانعزال والخشية من الاهانة من المجتمعات الأخرى.

على أي حال، انا لست من انصار (المؤامرة) غير ان الطرح العلمي يبقى مقبولا اذا ما ارتهن الى الموضوعية، وهو احد عناصره بالطبع، وكنت قد لاحظت ان ثمة نزعة في بعض المقالات الغربية حول تضخيم ظاهرة (الاسلاموفوبيا) وهو الخطر من الدين الاسلامي الذي لوحظ زيادة معتنقيه بشكل لافت للنظر، وفي خضم كل هذا الاحتدام والتحليلات، كان لا بد من قراءة تقوم على التساؤل الذي هو من طبيعة العقل، ومن الطبيعي ان يستند الى الاختلاف والتعددية واحتمالية الخطأ او الصواب لا على اليقينية المطلقة او المعصومية.

وحتى يمكن الوصول الى نتيجة دقيقة او محاولة ذلك على اقل تقدير لا بد من النفاذ الى كوامن الخلاف وفهم حصيلة الصراع السياسي والفكري والعقائدي، رغم اختلاف الميول والطرائق والوسائل ناهيك من تباين المصادر، لكن يفترض الاستناد الى الحكم النيّر، طالما ان الرغبة تنصب في طرح موضوعي محايد، وشتان ما بين المصداقية والافتعال الممجوج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت