فهرس الكتاب

الصفحة 24354 من 27364

ولتوضيح ما اهدف اليه، اسوق عدة محاور مما يؤدي ـ حتما ـ الى بلورة الصورة بشكل واقعي وسليم، ويرتبط بشكل او بآخر بالموضوع الرئيسي الذي نحن بصدده ألا وهو (حوار الحضارات) ومدى اهميته في الوقت الراهن، وحين يتبادر الى الذهن (صراع الحضارات) لا بد ان نستعرض نظريات (هنتنغتون وفوكوياما) منظري السياسة الاميركية التي ما برحت تشكل النظام العالمي، وهي القوة العظمى الوحيدة. ويبدو ان اهمية تلك الطروحات تأتي في وقت يدخل فيه العالم مرحلة جديدة، لكنها مرتبطة ارتباطا عضويا بما سبقها من احداث وتراكمات مما زاد في تعميق الهوّة بين العالم الاسلامي والغرب وحين المضي الى المزيد من ايضاح الصورة، لا سيما بعد احداث 11 سبتمبر الماضي، فإن المحور الثاني يتعرض الى قصة الارهاب وعلاقة الاسلام بالغرب، والوقوف على مقالات لغربيين رأوا فيها ان (طالبان) نموذج (للوهابية) التي تتبناها السعودية، وهنا بلا شك مغالطة كبيرة، وسوف يتم توضيحها في مقال لاحق، مضاف اليه نظرة معاصرة للارهاب الذي اكتوت منه اميركا، وكان (فوكوياما) كتب قبل ايام في جريدة «اللوموند» الفرنسية وأمس في جريدة «الجارديان» البريطانية، موضحا ان هناك امورا ايجابية للهجوم الذي حدث على اميركا، منها انه تولد شعور حقيقي بالانتماء القومي، وان اميركا ايقنت انها دولة عادية مثلها مثل غيرها، معرضة لاخطار الارهاب ولكي تحاربه، عليها طلب المساعدة من اصدقائها. لقد ايقظ حادث 11 سبتمبر اميركا من سباتها، وشعرت بما يحس به العالم، ويبدو ان الكثيرين يتفقون مع (فوكوياما) في هذا الطرح وهذا الزميل بشير عبد الحفيظ (الخبير بالشأن الجزائري) ، يرى ان العالم الآن قد ادرك الكارثة التي حلت بالجزائر، والمعاناة التي عاشها شعبها وحيدا بلا مساعدة. على ان فرانسيس فوكوياما (تعني القسيس البروتستانتي) وهو ـ فعلا ـ ابن لقس ياباني، كان قد هاجر من اليابان الى اميركا منذ زمن بعيد، يُعد من مجددي النهج الهيغلي ـ نسبة الى الفيلسوف هيغل، فطروحاته رغم بعض الانتقادات الموجهة اليها، واعترافه هو ذاته بصحتها، الا انها اتسمت ـ كما يرى المختصون ـ بكثير من العقلانية المرتهنة للممكن والمعقول. هذا لا يعني تكاملها المطلق بقدر ما يعني انها تحمل قدرا كبيرا من الحقائق والمسلمات.

* هيجل ونهاية التاريخ

* كان هيغل قد تنبأ بنهاية التاريخ في القرن التاسع عشر بقيام الدولة القومية البروسية، وجاء بعده ماركس ليعلن ان الشيوعية هي بداية التاريخ الحقيقي، وستتلاشى الرأسمالية، ولكن ها نحن اليوم نعيش في وقت يقول لنا ان التاريخ لا يمكن ان يتوقف طالما ان علم الطبيعة الحديث ليست له نهاية ولذا فقد انهارت تلك الفرضيات، بينما لا يزال فوكوياما يصر على ان البشرية قد وصلت الى نهاية التاريخ في ما يتعلق بالنظام السياسي، لا سيما بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وأن أفكاره حول الحداثة لا زالت قائمة وصحيحة ويمضي (تلميذ هيغل) في كتابه «نهاية التاريخ وخاتم البشر» قدما الى التأكيد بأن الديمقراطية الليبرالية ستنتصر (سيادة الغرب) لأنها ـ حسب اعتقاده ـ خالية من العيوب، ولذا هو يهمس في اذننا بأن هذه الديمقراطية المتحررة، ونظامها الاقتصادي الذي يتحكم فيه السوق، هما البديل الوحيد النافع للمجتمعات الحديثة، وان التاريخ اتجاهي ومتجدد ويبلغ ذروته في اطار الدولة الحديثة المتحررة. وقد توصل فوكوياما الى هذه النتيجة باستخدام التاريخ من وجهة النظر الهيغيلية ـ الماركسية الخاصة بالتطور التقدمي للمؤسسات البشرية السياسية والاقتصادية، ولذلك فهو يرى بأن التاريخ هنا مدفوع بعاملين اثنين: اولهما فهم علم وتقنية الطبيعة الحديث، الذي يوفر اساس التحديث الاقتصادي، وثانيهما النضال من أجل الحصول على الاعتراف، الذي يتطلب في نهاية الامر نظاما سياسيا يعترف بحقوق الانسان المتعارف عليها دوليا، كما انه يرى ان ذروة عملية التطور التاريخي ليست في الاشتراكية ـ كما يرى الماركسيون ـ وانما في الديمقراطية وفي اقتصاد السوق. ولذلك فهو يراهن على نجاح العولمة كنموذج تنموي، ومقللا من منافسه النموذج التنموي الآسيوي، بل وانتقص من اهميته بدليل تلك الاحداث ونتائجها الوخيمة التي تكشف سوء الاداء الاقتصادي الآسيوي، كما يريد ان يقول فوكوياما إن التقنية الحديثة ـ (قاعدة التطور لدى فوكوياما ان العلم هو الذي يحرك العملية التاريخية) ـ ستوفر للجيلين القادمين ادوات تمكنهم من تحقيق ما عجز عنه الاشتراكيون من تحقيقه في الماضي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت