فهرس الكتاب

الصفحة 24355 من 27364

وهنا يعتقد فوكوياما بأننا وصلنا الى نهاية التاريخ، لأننا سنكون قد قضينا على الانسانية، ولحظتها سيبدأ تاريخ جديد لما بعد البشرية. وعاد فوكوياما ليقطع طريق النقد، مشيرا الى القول إن القصد من «نهاية التاريخ» هو انتهاء حقبة وبداية أخرى، بالمعنى نفسه لدى ماركس بيد ان الفارق بينهما: ان ماركس (الاشتراكية) اعتبر ان التاريخ الانساني الحقيقي يبدأ مع تشكل المجتمع اللاطبقي. ولكن لماذا لم تنجح الاشتراكية لتكون (نهاية التاريخ) ـ هنا يجيب فوكوياما بأنه ربما الادوات التي تبناها الاشتراكيون (الاشتراكية المبكرة، والتحليلية، والتشنج، ومعسكرات العمل) ربما كانت تلك الادوات بشعة جعلتها غير قادرة عمليا على تحويل الاساس الطبيعي للسلوك البشري.

اما المجتمع الحقيقي، فقد بدأت تتشكل صورته (المجتمع ما بعد الصناعي) ، مستدركا بالتأكيد على انه يجب ردم فجوات كبيرة قبل ان يتم الانتقال النهائي من المجتمع الصناعي الى مجتمع الخدمات، من انتاج الاشياء الى انتاج المعلومات، من الطبقة الى الفرد، وبالتالي من الامة الى العولمة، مستندا الى ابحاث هيئة علم الطبيعة الحديث التي تشير الى هيمنة علم التقنية الحديثة في القرن القادم.

* الحركة المنطقية

* ومن يتأمل مقولات فوكوياما يجد انها تنتهج الاسلوب الهيغلي او ما يسمى «بالحركة المنطقية» ، حيث كل رأي او موقف له بالتأكيد جانب معاكس او مخالف، فالرأي له رأي آخر مخالف له، والموقف له موقف آخر معارض وهكذا، وبالتالي اذا اتحد هذان الرأيان او الموقفان، فإنهما يشكلان في نهاية المطاف رأيا ـ حسب اعتقاد هيغل ـ افضل من السابقين، فمثلا الرأسمالية والشيوعية، نظام ونظام مضاد، فالتوحيد بينهما يؤدي الى تطورهما، ومن هذا التطور ينبثق نظام ثالث ارقى منهما وبعيدا عن لجة المصطلحات الاكاديمية، والتعمق في المنهج العلمي، نستطيع ان نقول ان فوكوياما (كان نائبا لمدير مجموعة تخطيط السياسة بوزارة الخارجية الاميركية، ويعمل حاليا مستشارا لمؤسسة راند في واشنطن) يريد ان يرسل رسالة الى صانعي القرار السياسي الاميركي مؤداها (لا تقلقوا) فالانتصار للديمقراطية الليبرالية، وسيكون العالم ليبراليا، وسيبقى ليبراليا ما بقيت الحياة، حيث يكون التاريخ قد انتهى بوصوله الى اقصى ما يمكن ان يصل اليه البشر من رقي وسمو هنا فوكوياما يروج للنموذج الاميركي ويؤكد على تفوقه وعلو كعبه وقد أُتهم ـ فعلا ـ من قبل البعض بأنه أداة في يد المؤسسة الاميركية، نظرا لأن اراءه تستقطب اهتماما عالميا.

وفي هذا السياق، لا بد ان نذكر صموئيل هنتنغتون ونظريته «صدام الحضارات» وبكثير من الايجاز نجد انها تقول ان النزاعات الدولية سواء منها الاقليمية او العالمية ستكون في المستقبل على شكل صدام حضارات، وليس على صراع آيديولوجي، لان الاختلاف بين الحضارات حقيقة الوقوع. ويرى الباحث الاميركي ان المحور البارز في السياسة الدولية سيكون الغرب، مؤكدا بأن البؤرة المركزية للصراع العالمي ستكون بين الغرب والحضارتين الاسلامية والكونفوشوسية (الصينية) . وما دام الامر كذلك فإن هنتنغتون (مدير معهد جون أولين للدراسات الاستراتيجية بجامعة هارفارد) يطالب الغرب باحتياطيات ضرورية عليه ان يتخذها من الآن على المديين القريب والبعيد منها زيادة التسليح حفاظا على التوازن العسكري مع الصين والدول الاسلامية ودعم الجماعات المتعاطفة مع الغرب في الحضارات الأخرى، ومحاولة اختراق الحضارتين (الاسلامية والصينية) من الداخل والخارج وذلك بتعميق فهمه للاسس الفلسفية والدينية التي تقوم عليها تلك الحضارتان، كما ان على الغرب ـ ايضا ـ ان يحافظ على قوته الاقتصادية لحماية مصالحه، مؤكدا بأن هاتين الحضارتين تمثلان التهديد الحقيقي للغرب ومصالحه.

وصاحبنا هنا، على عكس صديقه فوكوياما، فهو ايضا يرسل رسالة الى المؤسسة الاميركية قائلا (احذروا) . هناك صراع حضارات، واذا اردتم ان تحافظوا على سيادة هذا العالم، فعليكم ان تتحركوا وتخططوا قبل فوات الآوان! اذن، صاحبنا هذا من مروجي النموذج الاميركي ـ ايضا ـ وينزع الى تكريس النهج الليبرالي الذي تتزعمه الولايات المتحدة الاميركية.

* نتيجة واحدة

* على ان البعض يتهم الكاتبين بتأثرهما بتخصصهما في مجال الدراسات السياسية الاستراتيجية ذات العلاقة المباشرة بالقرار السياسي، الذي ينطلق عادة من مصالح آنية او قصيرة المدى، لذلك فإن طروحاتهما تفتقد الى المعنى التاريخي الشامل، فهما لم يأخذا التاريخ كوحدة تحليل ـ كما يرى تركي الحمد ـ او فترة زمنية طويلة، وهنا كان الخلل في النتائج العامة التي وصلا اليها، هذا لا يعني عدم وجود صراع بين الثقافات في الماضي وفي الوقت الحاضر، ولا يعني نفي حقيقة الانتصار الحالي لليبرالية. كل ذلك موجود، لكن السؤال هو: هل مثل هذه النتائج مطلقة ودائمة، كما تتضمن كتابات هنتنغتون وفوكوياما؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت