بدايات السفور في العالم الإسلامي
( الجزائر )
سليمان بن صالح الخراشي
لم يبدأ السفور وتوابعه في العالم الإسلامي إلا زمن استعمار ديارهم من قبل النصارى الصليبيين الذين شجعوا هذا الأمر؛ وخططوا له، طلبًا لإفساد المسلمين، وإشغالهم بالشهوات.وهذه حقيقة لا ينكرها إلا مكابر.
وقد وجدوا بغيتهم في بعض أبناء المسلمين المفتونين الذين أثاروا هذه القضية وغلفوها بالغلاف الإسلامي مبدئيًا ليتقبلها الناس! رغم إجماع المسلمين العملي المتوارث على خلاف ذلك. - كما بينت ُهذا في مقال سابق -.
وقد كان التركيز في البداية على مسألة كشف الوجه؛ لأنهم يعلمون أنها متى تحققت سيسهل ما بعدها! كما حدث فيما بعد على أرض الواقع في دول عديدة.
ومن يُبسط القضية ويجعلها مجرد خلاف فقهي فهو واهم!
نعم: لو كان الحوار مع أمثال الألباني - رحمه الله - لعددناها كذلك؛ لأننا نعلم أن الشيخ عندما اختار هذا القول وضع له شروطًا لا تكاد تجدها معمولا بها عند من يتبجح بأنه يتابعه!
ونعلم كذلك أن الشيخ قد اختار أفضلية ستر الوجه، وكانت نساؤه على هذا..
ونعلم كذلك أن الشيخ عالم رباني يغار على أعراض المسلمين، ويدعوهم للعفاف والبعد عن التساهل.. الخ، وكتبه ومؤلفاته شاهدة بهذا.
لكن الحوار مع مرضى القلوب وأذناب الغرب خلاف هذا كله؛ لأنهم كما قال - تعالى: (ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما) ؛ ولأننا نعلم أن طرقهم لمسألة كشف الوجه وأنها مسألة خلافية! هو بوابة لما وراءه؛ كما حدث مثل ذلك في بلاد أخرى.
وما قاسم أمين عنا ببعيد!
فعندما كان يطالب بكشف الوجه في كتابه الأول"تحرير المرأة".. إذا به يكشف عن خبثه في كتابه الثاني"المرأة الجديدة"فيشن الحملة التشويهية على الحجاب كله!
والمؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين.
وفي هذا المقال سأذكر كيف حدث السفور في أحد البلدان الإسلامية، وكيف كان المستعمر يرعى هذا الأمر ويصنعه على عينه كما فعل في بلاد أخرى؛ ليتبين لنا مقدار الكيد والمكر الذي يبذله اليهود والنصارى في سبيل تدمير بلاد المسلمين أخلاقيًا، بعد أن دمروها سياسيًا ونهبوا ثرواتها.
والله المستعان.
يقول الأستاذ الجزائري: محمد سليم قلالة في كتابه"التغريب في الفكر والسياسة والاقتصاد" (ص 133 - 137) :
(حدث هذا في مثل هذا الشهر من سنة 1958: يوم الاثنين 27 مايو.."سيداتي سادتي أيتها المرأة، اعلمي أن الوقت قد حان لتلعبي دورك في تاريخ الجزائر الجديدة.. أيتها الفرنسية اعلمي أنك شريكة الرجل في الحياة، وفي المجتمع الإنساني، أنك تقاسمينه الآلام والأفراح، سعادته وتعاسته."
لقد أقامت الديانة الإسلامية العدالة بينك وبين الرجل، هو أخوك في التكاليف والعلاقات الإنسانية، يقول الله:"للنساء نفس الحقوق ونفس الواجبات" (1) . اعلمي يا أختي العزيزة أنك لست سلعة تشترى وتباع، إنك سيدة بيتك وسيدة في الشارع وفي تربية الأجيال، إنك سيدة بالرغم من الذين ينازعونك مكانتك، حطمي أغلالك بمطارق من حديد.
إن هذا الحجاب الخيالي الزائد لا علاقة له بالإسلام، إن العفة والأخلاق الحسنة ليست أبدًا خلف هذا الحجاب الشفاف والمخادع، إن أفضل حجاب هو الصفات الدينية والخلقية الحسنة، إننا نريد يا أختنا العزيزة أن تثوري بشدة ضد مبادئ عصور مضت في إطار الدين، وتشاركي الرجل في الوجود.
وأنتم أيها الرجال اعلموا أن تجديدكم لا يمكن أن يتم إلا إذا ارتكز على المرأة، ساعدوا أنفسكم لإقامة مجتمع مزدهر، إن وراءكم فرنسا تحميكم بديمقراطيتها ومثلها العليا وتساعدكم على بلوغ أهدافكم"."
إلى هنا ينتهي قول إمام مسجد سيدي الكتاني آنذاك في مدينة الشيخ ابن باديس أمام نحو 100 ألف شخص بحضور سوستيل وسالان. (الجنرالان الفرنسيان!)
وبعد قليل تصعد فتاة جزائرية مسلمة إلى الميكروفون لتقول:"لقد سمعنا صوتًا من أكثر الأصوات المأذونة في الإسلام يدعو إلى التجديد الذي يجب أن نحمله في تحررنا الغالي، لا ندع الفرصة تضيع، إنها الفرصة الوحيدة التي تُمنح لنا للسير في طريق التحرير الكامل والمطلق، أرجوكن أن تقمن بعمل رمزي يكون دليلًا على بداية وجودنا الجديد وعلاقتنا الأخوية الكاملة تجاه أخواتنا من جميع الديانات في وطننا المشترك فرنسا، أطلب منكن أن تفعلن مثلي" (2) .
وفي حركة رائعة (يقول المعلق) نزعت الآنسة بنت الباشا آغا حائكها الأبيض ثم حجابها، ورمت الكل من الشرفة وسط دوي من التصفيق والصياح:
هورا!! هورا!! برافو!! برافو!!
وتتبعها فتيات أخريات.. تنزعن أحجبتهن وتطلقن الصيحات المدويات وسط دوي آخر من الصياح: هورا! هورا! برافو! برافو!
ويبدأ فصل جديد في سياسة الاستعمار الثقافي لبلادنا... وفي مدينة الشيخ ابن باديس.
وفي الساعة السادسة مساء من يوم الثلاثاء 20 مايو 1958 حدث نفس الشيء أيضًا في مدينة وهران بمسرح الاخضرار، حيث تجمع أكثر من 50 ألف شخص.. ألقيت الكلمات من طرف السلطات المحلية يتقدمهم الجنرال ماسو، وعُلقت اللافتات ثلاثية اللون وقد كتب عليها:"الجزائر فرنسية"،"شعب واحد، قلب واحد"،"ديغول في السلطة".. وبعد ذلك فسح المجال للأهم.