اختير عام 2001م عاماً لحوار الحضارات، تلك التي تقترب نحو الصدام كلما قلت المسافات الجغرافية بينها.. حيث الشعوب الضعيفة هى الضحية الأولى لهذا الصراع والمعرضة لذوبان الهوية، إلا إذا بادرت بالحصول على أداة دفع تضمن بها بقاءها، وتواكب عصره، وتتقن في الوقت نفسه لغة الحوار.
تعدد الحضارات: منذ أن انتشر الإنسان على وجه الأرض وذهب مذاهب شتى، أخذت تتعدد الحضارات، بل تنافرت بعد أن ضلت طريقها وخرجت عن منهج الله القويم.. وتلونت بطبيعة الحال الثقافات، تصادمت تارة نتيجة تضارب المصالح، وعاشت بعضها بجوار البعض بسلام في أحيان أخرى. وقد أشير إلى صدام الحضارتين الفارسية والرومية في القرآن الكريم. إلا أنه لم تكن التصادمات في قديم الزمن كثيرة كماً وكيفاً، لأسباب أهمها اتساع المسافات الجغرافية بين البلدان وندرة الاصطكاك بين الشعوب.
ثم تحول العالم إلى قرية صغيرة وتقاربت أكنافه منذ مطلع القرن العشرين بفضل اختراع وسائل اتصالات حديثة كالطائرة والهاتف والمذياع والتلفاز وغيرها. ومع ذلك بقي شيء كبير من الحواجز المصطنعة بين الشعوب، مما ضمن الاستقلال لكثير من الشعوب، فضلاً عن وجود معسكرات فكرية عالمية متضاربة كالشيوعية والرأسمالية خلقت أقطاباً استنجد بها شطر من الضعفاء للحفاظ على هويته.
بيد أن عصر الثورة المعلوماتية الذي حل في عقد الثمانينيات، غيّر كل هذه المعايير؛ حيث اتسعت دائرة الاتصال بين الشعوب المختلفة.. وذلك بظهور الفضائيات؛ لتفسح المجال للتأثير والتأثر إيجاباً وسلباً في أكثر من إطار، ثم انهار الاتحاد السوفييتي الذي أدى غيابه لافتقاد التوازن السياسي الدولي لصالح المعسكر الرأسمالي وإفساح المجال للغرب لفرض ثقافته عملياًَ على الشعوب الأخرى عنوة. وظهر دور صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ليأخذا في التحكم على مصائر الدول المقترضة سياسياً واقتصادياً وحتى ثقافياً، ثم ظهرت منظمة التجارة الحرة؛ ما أتاح الفرصة للدول المستكبرة للهيمنة على الدول المستضعفة، وأخيراً ظهرت شبكة الإنترنت العالمية فاخترقت الحواجز الثقافية والأمنية والتجارية والمعلوماتية كافة، وحلت ظاهرة"العولمة"الشاملة، فحصل في آخر المطاف احتكاك غير مسبوق بين الحضارات المتضاربة.
دواعي التصادم
أولاً: دوافع حضارية:
تنبأ"صموئيل هينتنجتون"السياسي الأمريكي المعروف وأستاذ العلاقات الدولية، وطارح نظرية"تصادم الحضارات"في مقاله في صيف (1993م) باندلاع صراعات مستقبلية سوف تتركز على معايير ودوافع ثقافية وحضارية، وأن الصراع على وجه التحديد سيكون بين الحضارة الغربية من ناحية، وتحالف إسلامي كونفوشي من ناحية أخرى؛ وأيضاً بين الحضارة الغربية، ومجموعة الحضارات الأخرى الهندوسية والبوذية واليابانية، وحضارة أمريكا اللاتينية؛ أي أن المستقبل سيشهد مواجهة بين الغرب وبقية العالم. وبذلك تكهن أن العالم سيتوجه نحو التقسيم إلى ثمانية أقطاب رئيسة: الصين، واليابان، وشبه القارة الهندية، والعالم الإسلامي، والغرب المتمثل في أوروبا وأمريكا الشمالية وروسيا، وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. وأوضح هانتنجتون أن أحسن نموذج للتصادم بين الثقافات هو التصادم بين الإسلام والغرب.
وبعد ثلاث سنوات من مقالته الشهيرة أصدر هاينتنجتون كتاباً بعنوان"صراع الحضارات: إعادة صنع النظام الدولي"انتهى فيه إلى القول: إن صِدام الحضارات هو الخطر الأكثر تهديدًا للسلام العالمي، وأن الضمان الأكيد ضد حرب عالمية هو نظام عالمي يقوم على الحضارات. وأدخل في إطار"الحضارة"الآداب والتقاليد، والديانة والثقافة، وركز على دور المذهب بهذا الصدد.
ثانيا: دوافع اقتصادية:
ويرى هاينتنجتون أن العامل الثاني للتصادم هو: الدوافع الاقتصادية؛ نتيجة النقص في الموارد الغذائية، وكثرة السكان، والاضطراب السكاني، وتضارب المصالح الاقتصادية، وحول ملكية المعادن، ومصادر المياه والبحار؛ بصورة أشد فتكاً وشراسة.. وبالطبع تناسى أن يذكر ظلم الإنسان لأخيه كعنصر جوهري في النقص في الموارد الغذائية. وذكر أن زمام الاقتصاد سيفلت بمرور الوقت من أطر البلاد والقوميات، ليستقر بأيدي الشركات المتعدية الجنسية. وهكذا تفاقمت أسباب الصدام، في زمن تساعد التقنية المتطورة في تقليل المسافات بين الحضارات المتضاربة المتنافرة، في عصر العولمة..
ظاهرة العولمة