فهرس الكتاب

الصفحة 3910 من 27364

في إطار الصراع الإسلامي-العلماني اجتهد الإسلاميون لإظهار الحقوق الكبيرة التي منحها الإسلام للمرأة، سابقًا بذلك أمم العالم المتحضر.

وفي إطار ذلك الصراع خرج المستشار البشري ليعلن رؤيته الخاصة التي ترى أن الإسلام لم يعطِ للمرأة حقوقا.. فليس في الإسلام حيالها سوى واجبات. فهل يرى المستشار البشري أن نظرة الإسلام للمرأة، وجملة الأوامر والنواهي المرتبطة بقضاياها ليست سوى تكليفات بفروض وواجبات تتحملها المرأة؟ أم أنها واجبات لصالحها؟

ويؤكد المستشار البشري أن تحميل قضية المرأة بالواجبات أمر يجعل المرأة في منأى عن الصراع مع الرجل، حيث لا محل لصراع جوهره التراضي الإيماني. فكيف ينشأ التراضي الذي يقصده المستشار البشري في إطار مثل هذه الرؤية؟ وكيف تتعامل المرأة مع هذا الطرح الجديد؟ وهل ترتضيه؟ وهل يرتضيه المجتهدون من العلماء والإسلاميين؟

المستشار طارق البشري

تمهيد

موضوع هذه الورقة اشتد حوله الجدل في السنين الأخيرة، أو هو في مجال من أهم مجالات المعارك التي دارت خلال السنوات العشر الأخيرة بين الإسلاميين والعلمانيين، وهي موضوعات: المرأة، والربا، وغير المسلمين، والفنون.

أراد العلمانيون بإثارة هذه الموضوعات إثبات أن شريعة الإسلام متوقفة عن التطور، وأنها أفكار قديمة بالية، وأنها لا تصلح لأيامنا هذه: أيام التقدم والتحضر والنور (يقصدون أيام سيادة نماذج الحضارة الأوربية) . وحشد الفكر الإسلامي جهوده للرد على هذه الدفوع، وقام رجال الفكر الإسلامي في هذا الشأن بين مدافع عن أحكام الشريعة مبين صلاحيتها، وبين مجتهد في الأحكام لبلوغ ثوابت التشريع الإسلامي في تفاعلها مع أوضاع الحاضر.

والخطاب الصادر عن الطرف الإسلامي صنفان: خطاب موجه لفصائل إسلامية أخرى يحاول معها ترجيح رأي مجدد، أو التنبيه للتمسك بالنظر التقليدي. والصنف الآخر خطاب موجه للطرف العلماني: مهاجمًا إياه، أو مدافعًا عن نفسه، أو شارحًا وعارضًا ما لديه من جديد، لعل الطرف العلماني يرضى، أو بالأقل يعترف بأن الآخرين لهم الحق في الوجود في هذا العصر الحاضر،"عهد التقدم والتحضر والنور".

أما الخطاب من الطرف العلماني فليس إلا صنفًا واحدًا موجهًا إلى الإسلاميين يريد التأكيد على أن فكر الإسلاميين من فكر الغابرين، وليس له جدارة البقاء.

ولم ألحظ أن حوارًا يجري بين العلمانيين بعضهم وبعض في بلادنا حول الصالح والجيد والرديء في الفكر الإسلامي.

ومن هنا يرجح لديَّ الظن أن الخطاب الإسلامي أكثر جدارة للبقاء، لا من حيث قياسه بمقاييس خارجة عنه بمعايير حضارية أخرى، ولكن من حيث إنه ينطوي على قدرة على التفاعل الذاتي. فالخطاب الإسلامي خطاب نهضة، يتضمن حوارًا داخليًا في إطار الفكر الإسلامي، وليس كخطاب العلمانيين خطابًا مصمتًا، وحيد الجانب، موجها للآخرين فقط، دون أن يتضمن تفاعلاً داخليًا أو حركة ذاتية.

فكرة الحق في الإسلام مقارنة بالفكر الغربي

التصور الإسلامي مبنيٌ في ظني على أساس التكوين الجماعي للمجتمع، وليس على أساس التكوين الفردي، وهو في الغالب الأعم ينظر للفرد في إطار وجوده الجماعي، ومن ثم على أساس التكوينات المؤسسية التي تنظم هذه الجماعات وتتحدث باسمها. ولأن هذا هو التصور فقد قام النسق الحقوقي للفرد في الإسلام مصاغًا في صورة واجبات؛ فحقوق الزوجة في الأسرة تحددها واجبات الزواج، وحق الولد في النفقة من أبيه يحددها واجب إنفاق الأب على ابنه، وحق الجار من واجب الجار الآخر إزاءه…

هذا الأسلوب في صياغة حق الفرد بأنه واجب على الغير إزاءه يتفق مع التكوين المؤسسي الذي يتكون بهذه الطريقة، طريقة بيان ما على أعضاء هذا التكوين من واجبات لغيرهم من الأفراد داخل الجماعة وللجماعة كلها. وهي صياغة توقظ في الفرد دائمًا مثيرات العطاء لا مثيرات الأخذ، كما يُعبَّر أحيانًا في النظرية القانونية الوضعية عن الحق بوصفه التزامًا.

إن الصياغة الليبرالية للفكرة الحقوقية في الغرب، تنظر إلى الفرد كما لو أنه مستقل عن الجماعة في تصوره الأصلي، أي أنه في البدء كان فردًا ثم دخل الجماعة متنازلاً عن بعض حقوقه لتحمي له الجماعة حقوقه الباقية، فظهرت فكرة الحق في تصور فردي. وهذا التصور غير صحيح؛ لأن الفرد لم يكن خارج جماعة قط منذ مولده وحتى وفاته، ولأن اندراجه مع الجماعة لا يفقده حقوقًا فردية له، بل يكسبه هذه الحقوق، والحق"علاقة"، ولا يمكن فهم حق الفرد دون آخرين تقوم معهم هذه العلاقة.

كما أن وضع الفكرة الحقوقية بهذا التصور الليبرالي، الذي يؤكد على الحق، إنما أقام الحق في مواجهة الغير، فصار حق الفرد ينتهي عندما يبدأ حق غيره، وحريته تقف عند بدء حرية غيره. وهكذا صار وجود الآخر يشكل قيدًا، وهو نوع من الانتقاص؛ لذلك يصعب فهم الفكرة الحقوقية الغربية بدون مفهوم الصراع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت