فهرس الكتاب
وقد انسبغ ذلك على وضع المرأة في الغرب، فصيغت حقوقها في مواجهة الرجل على أن كسبها يتأتى من صراعها معه، حتى في العلاقة الزوجية. وغابت عن هذا التصور فكرة المساكنة بين الزوجين التي أوردها القرآن الكريم، وفكرة البناء المشترك للأسرة كمؤسسة اجتماعية تتولد الحقوق فيها عن التكاتف والتآزر لا الانتقاص من حق الآخر.
وهنا نلمح جزءًا هامًا لخلاف جوهري بين التصور الإسلامي والتصور الغربي. فالخطاب الإسلامي موجه في الأساس للجماعات، والإنسان وسط الجماعة لم يتنازل عن حق، بل ينشأ عنه ذلك الحق وتنشأ معه حريته في إطار الاجتماع، والواجب عليه هو حق الآخرين. وهذا الأمر ينطبق على رؤية حق المرأة في إطار علاقتها بالرجل. فتلك العلاقة الأخيرة ليست صراعية، فلا ينتقص حق طرف من حق الطرف الآخر، بقدر ما إن حق كل طرف لا يتأتى إلا من خلال العلاقة مع الطرف الآخر.
تعليق على الموقف من نقص شهادة المرأة
تشهد قضية شهادة المرأة أهمية متزايدة من جانبين:
الجانب الأول يتعلق بالمصدر العلماني الذي يرى في قضية شهادة المرأة موطنًا لالتماس الطعون على التشريع المستمد من الأصول الإسلامية، من زاوية انطواء هذه الأصول على تمييز سلبي ضد المرأة يفضي بها إلى وضع تنعدم فيه مساواتها بالرجل. كما يشهد - من جانب ثان - تناول بعض الإسلاميين لهذه القضية من زاوية الدفاع عن الإسلام، مع تباين منطلقات فصائل الإسلاميين ومقولاتهم في هذا الصدد.
وعند التعرض لوضع المرأة المستفاد من نقص شهادتها يسارع البعض للتأكيد على أن مساواة شهادة الرجل لشهادة امرأتين، لم ترد إلا في سورة البقرة في آية"الدين"، وأن باقي الشهادات لم يرد في القرآن نص بشأن ارتباطها بشروط الرجولة لصحة الشهادة أو كمالها، إنما قام الشرط في حدود العدالة. وعندما عرضت المقولات التي أسلفنا الإشارة إليها لهذا الأمر، كنت أود أن يُستكمل عرض هذه المقولات بالتعرض لطبيعة الشهادة، فإن ما جرى عليه النظر لدى كثير من الفقهاء أن في الشهادة معنى الولاية، ومن هنا جرى القياس؛ قياس نقص ولاية المرأة بعامة على حكم نقص شهادتها. وهذه النقطة تحتاج إلى تحرير، فهل الشهادة ولاية أم إخبار؟
إن الولاية إذا أردنا أن نُعرِّفها في كلمات مُبسطة قليلة، هي إمضاء القول على الغير. وهي تكون ولاية خاصة إن كان إمضاء القول على محصورين معينين، وتكون ولاية عامة إن كان إمضاء القول على غير محصورين. هذا هو نوع الولاية بصفة مجملة. فالولاية قولٌ نافذٌ على الغير، أي أنها حسب المصطلحات الوضعية الحديثة، هي في صورتها العامة صلاحية إصدار قرارٍ ينشئ مركزًا قانونيًا للغير أو يعدله أو يلغيه.
والمركز القانوني مجموع حقوق والتزامات. والولاية في صورتها الخاصة - بالرؤية الوضعية - هي صلاحية التصرف عن الغير بإنشاء مجموعة من الآثار القانونية - حقوقًا أو التزامات في حق هذا الغير. هذا هو جوهر الولاية بالمعنى الفقهي المقصود هنا.
أما الإخبار فهو التحديث بأمر وقع أو ذكر حادث حدث. وهو ليس الوقوع ولا الحدوث ولكنه القول بذلك. وهو ليس إنشاء الأمر ولكنه إثبات نشوء الأمر. الإخبار هو نقل الوعي بوقوع الأمر من شخص عارف به إلى شخص آخر غير عارف به. والإخبار بهذا الوضع لا ينشئ بذاته مركزًا قانونيًا ولا يُعدِّل منه ولا يلغيه، إنما يقوم به ثبوت أمرٍ قد يُفضي إلى إنشاء مركز قانوني أو تعديله أو إلغائه.
والشهادة في حقيقتها هي إخبار بفعلٍ حدث أو بواقعةٍ نزلت أو بحقٍ لأحد على أحد، ولا يقوم بها بذاتها تقرير ما يترتب على شيء من ذلك من أثر يوجبه الحكم. والشهادة تكون بما وقع تحت بصر الشاهد أو سمعه من فعل أو قول. ومع كون الشهادة من قبيل الإخبار إلا أنها كانت قديمًا أقوى أدلة الثبوت الشرعية التي يُعترف بها أمام القضاء، ولذلك سُميت البينة بحسبانها دليل الثبوت الغالب، لا يقوى عليها إلا الإقرار على النفس، أو اليمين في بعض الأقوال في بعض الأحيان.
وقد قرر الفقهاء أن دليل ثبوت الحق هو ما عليه المعول في معرفة هذا الحق وترتيب آثار قيامه، وإذا لم تكن الكتابة منتشرة وكانت المعرفة بها محدودة، والحصول على وسائل من أدوات وأوراق ليس متوافرًا، وكانت الأمية غالبة، والترحال كثيرا، وحفظ الأوراق لا يجري مجرى العادة ولا تتوافر وسائل ضبطه، إذا كان كل ذلك، كانت الشهادة هي أقوى وسائل إثبات الحقوق، وكانت هي تقريبًا ما عليه المعول في الاعتراف بقيام الحق أو الاعتراف بحدوث النازلة التي تستوجب ترتيب الأثر الشرعي، سواء في مواد المعاملات أو مواد الحدود وغيرها.