فهرس الكتاب

الصفحة 3912 من 27364

ولما كان للشهادة من الحسم في ترتيب ما حجم عن المشهود به من آثار شرعية، جهد الفقهاء في تفصيل أحكامها وتبيان شروطها من حيث التحمل ومن حيث الأداء، وشروط كل من ذلك، ومن حيث أنواع الشهادات وأنواع المشهود به، وشروط الشاهد من حيث عدالته وتجريحه ومراتب الشهود من العدل المبرز إلى غير المبرز إلى من تُتوسم فيه العدالة إلى من لا يُتوسم عدله ولا جرحه إلى من يُتوسم جرحه إلى المعروف بالجرح، ولكل منهم نوع أداء يصلح به بذاته أو بغيره وهكذا. وقد قيل في الأثر:"شاهداك قاتلاك"دلالة على ما ترتبه الشهادة من أثر، كما لو أنه يترتب عليها باللزوم دون فكاك.

ومن هنا قال الفقهاء: إن الشهادة ولاية، يريدون بذلك القول بأن من شهد فكأنما رتب بذاته الأثر المقرر على ثبوت المشهود به، أي أنَّ من شهد كمن قرر وكمن قضى، ويبغون بذلك التوصية بوجوب التشدد وبذل أقصى الجهد في تحقيق شروط الشهادة لما لثبوتها من أثر الترتيب المباشر للحكم، يبغون إقران الشهادة بالولاية من حيث التشديد في الاستيثاق من عدالتها. وشبيه بذلك ما يُقال عن الإقرار بالحق عن النفس.

فالإقرار إخبار بحق للغير على النفس، ولكنه من الحسم في إثبات الأمر المقر به بحيث يعتبر كما لو أنه هو عين التصرف، أو هو عين الفعل المُنشئ للحق على النفس، وهو بهذه المثابة يلزم فيه ما يلزم من أهلية للتصرف رغم كونه إخبارًا في أصل وظيفته. وشبيه بذلك أيضًا ما نعرفه اليوم بالعقد المسجل؛ إذ له من الحسن في ترتيب الحقوق ما وصل ببعض التشريعات إلى اعتباره ركن نشوء للحق. وشبيه به أيضًا ما نسميه اليوم في لغة القانون التجاري من اندماج الحق في الصك، أي أن الحق اندمج في وسيلة إثباته، كـ"الشيك"أو"السهم"أحيانًا.

إن القول بأن الشهادة ولاية هو محض تصور فقهي، وليس حكمًا من أحكام التشريع المنزل. وهو تصور يفيد أهمية الشهادة في ترتيب آثار الأحكام، دون أن يجردها من أصل وضعها الوظيفي، وهو أنها إخبار ووسيلة ثبوت. وأهمية هذا التمييز تظهر حاليًا في زماننا المعيش؛ إذ انتشرت الكتابة تعلمًا وممارسة ووسائل استخدام وعادات استخدام. وهي أثبت وأحفظ، فصارت وسيلة الإثبات الأقوى، وصار الدليل المستفاد منها آكد وأوثق. وتراجعت الشهادة إلى أن صارت وسيلة إثبات ثانوية، ومن ثم يزايلها وصف الولاية الذي كان مبنيًا لا على طبيعتها ولكن على أهميتها، وكان مستمدًا لا من حقيقة كنهها ولكن من تفردها في الدلالة والثبوت.

يُضاف إلى ذلك أن ظهرت أدلة وأدوات ثبوت جديدة، مثل: المعاينة، والخبرات الفنية لأهل التخصص في كل ميدان، ونتائج المعامل الكيميائية، وهذه كلها إن أدخلها فقهاء الشريعة المحدثون في المعنى العام الواسع للشهادة، فهي من جانب آخر أخص من الدلالة المستفادة من الشهادة قديمًا. وقد تكاثرت هذه الوسائل في الثبوت وتنوعت بحيث لم يعد أي منها وحده مما يلزم القاضي، ويرتب بذاته نزول الأحكام، أي أنها تكاثرت وتنوعت بحيث لم يعد لأي منها وحده من الأهمية ما يبوئه جدارة الاتصاف بأنه ولاية، إلا أن يكون الإقرار على النفس أو حكم القاضي بالثبوت.

ونخلص من ذلك كله إلى:

أولاً: أن القول بأن الشهادة ولاية، هذا القول محض تصور فقهي، وأنه تصور فقهي نتج لا عن كنه الشهادة وطبيعتها من حيث كونها إجراء للأمر على الغير، ولكنه نتج عن أهمية الشهادة كدليل إخبار، وهي الأهمية التي تعلق بها أصل الحق أو الوضع.

ثانيًا: أن المشاهدة فقدت مكانتها المنفردة في إثبات الحقوق والوقائع، وفقدت مكان الصدارة في ذلك كله، فزايلها ما كان لها من أهمية في ترتيب آثار الاعتراف بالحقوق والوقائع، وزايلها ما قامت به جدارتها في اكتساب وصف الولاية.

ثالثًا: أن نقص الشهادة لا يقوم به قياس صحيح من نقص الولاية، لا يقوم به هذا القياس قديمًا؛ لأن الولاية ليست من طبيعة الشهادة ولا يقوم به هذا القياس الآن من باب أولى.

المرأة بين الإفراط في المساواة والإسراف في التمييز

النظر في قضية مساواة المرأة بالرجل قد يشوبه بعض المبالغة من قبل الطرف العلماني، والتأويل أو التهميش في التعامل مع أوجه الاستدلال في نص من النصوص من ناحية الطرف الإسلامي. فالطرف العلماني في المجتمعات العربية والإسلامية يزايد على أنصار المرأة في الغرب، ليحمِّل المرأة ما لا تطيق من أوجه المساواة - على نحو ما سنرى لاحقاً. كما أن الجانب الإسلامي سعى إما للدفاع عن المثال الإسلامي من دون فحص شامل لتاريخ التعامل مع الظاهرة محل التناول، أو سارع إلى نفي وجود أي تمييز، وهو ما جعله مشاركًا الجانب العلماني - صوريًا - في مسلك تحميل المرأة ما لا تطيق من أوجه المساواة.

والنظر في جوانب النشاط السياسي للمرأة، يوجب النظر في مقتضيات هذا النشاط، وأهم هذه المقتضيات أمران أساسيان جرى الحديث عنهما في عشرات السنين الماضية ولا يزال يدور، وهما مجالا: التعليم، والعمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت