وما دعاني إلى الإشارة إلى هذا الأمر أن مقولات بعض الإسلاميين المتداولة في هذا الإطار كررت حكمها الحاسم بأنه ليس ثمة تقسيم إسلامي للوظائف الاجتماعية بين الرجل والمرأة، وهذه المقولات في هذه النقطة إنما أرادت أن تواجه قول القائلين بقصر وظيفة المرأة على المنزل وتربية الأولاد، وشمول وظيفة الرجل للسعي وراء الرزق وتولي الشئون العامة، وهناك كثيرون يصورون الأمر بهذه الصورة المبسطة.
وأنا أفهم اعتراض الإسلاميين على هذا التصور المبسط، وأتفهم إنكارهم لصحته، وأتفق معهم في أساس نظرهم. ولكني أجد أن إنكار أصل التقسيم الوظيفي كان من الحسم والإجمال والإطلاق بحيث مال بحكمهم إلى درجة من التبسيط. وقد يكون تحرير هذه المسألة وفهمها بغير تبسيط أصدق مع الواقع وأبلغ في تحقيق الأهداف.
وبداية، فإن من نافلة القول الحديث عن مساواة المرأة والرجل في كمال الصلاحية لتلقي الحقوق والالتزام بالواجبات، وفي كمال الشخصية القانونية، سواء في الموقف إزاء التكاليف الدينية أو في الموقف إزاء المعاملات الاجتماعية. ومن نافلة القول أيضًا الحديث عن استقلال شخصية المرأة عن الرجل أمام الله سبحانه وتعالى وأمام المجتمع.
وكل ذلك - حسب الأصل - يقيم منها شخصًا ذا استقلال مساوٍ للرجل في تولي الشئون العامة والخاصة. والتصور الإسلامي ناصع الوضوح فيما قرره للمرأة في كل ذلك. وقد أعطتها أحكام الشريعة الإسلامية من أوضاع المساواة والاستقلال ما لم تعرف تشريعات الغرب أكثره إلا في القرن التاسع عشر، وهو ما يجعل التشريع الإسلامي يباهي الأمم من حيث السبق والوضوح والتكامل.
وفي هذا الإطار لم يقم خلافٌ جذري فيما يتعلق بحق المرأة في التعلم وفي العمل، لا نجد خلافًا ذا شأن يتعلق بهذا الأمر لدى الفقهاء من حيث الحكم الشرعي، إنما قام المشكل بسبب نقطتين:
الأولى: التقسيم الاجتماعي للعمل بين المرأة والرجل.
الثانية: ما قد يُفضي إليه التعليم أو العمل من اختلاط بين المرأة والرجل.
ومن هنا تبدو أهمية مناقشة هاتين المسألتين، لا من حيث الجوانب النظرية الفقهية والاجتماعية التي عرضت لها المقولات محل النظر، ولكن من حيث الأوضاع التطبيقية للمسألتين. وأتصور أنه في هذا الجانب التطبيقي يمكن أن يتلاشى جزء كبير من الخلاف الدائر في صفوف مفكري الإسلام حول هذا الأمر.
أما بالنسبة للنقطة الأولى وهي تقسيم العمل، فنحن نعلم أن من الأعمال ما لا تطيقه المرأة، ومنها ما تطيقه، ومنها ما يسلس لها. ونحن نعلم أن المنادين بالمساواة التامة بين الرجل والمرأة من غلاة العلمانيين هم أنفسهم ينكرون الصلاحية المطلقة لكل الأعمال لأي من الرجل والمرأة. ونعلم أن الحركات المهتمة بحقوق الإنسان وبحقوق العمال حسبما تفتقت عنها صراعات القرن التاسع عشر في أوروبا، كانت تجهد لتحقيق المساواة بين الجنسين بالأجر الواحد للعمل الواحد، والحقوق العامة كحق تولي الوظائف العامة وحق الانتخاب والترشيح للمجالس النيابية، ولكنها في الوقت والاهتمام ذاته كانت تجهد لأن تحقق للمرأة والطفل حماية خاصة بالنسبة لظروف العمل.
وجرى تمييز المرأة في إطار أوضاع العمل تمييزًا سببه وضعها الطبيعي الخاص، وذلك بمنع النساء من العمل في الأعمال العنيفة أو القاسية: كعمل المناجم أو حمل الأثقال، وإقالتها من العمل في المناطق النائية، وحمايتها من العمل في الأوقات المتأخرة، وكفالة حق المرأة في إجازات إضافية تمنح لها بسبب طبيعتها الخاصة نتيجة الحمل أو الرضاعة أو رعاية الوليد. ونحن نعلم أيضًا أن ثمة أنشطة حسُن عمل المرأة فيها كالتدريس والتمريض، ونوعًا من الصناعات كصناعة الأدوية وغير ذلك.
إن ذلك الموقف التمييزي لا يعني حجرًا على المرأة وحصرًا لها في مثل هذه الأعمال، ولكننا كباحثين في مجال النشاط الاجتماعي ينبغي ألا نغفل عن هذه الخصائص.
وخلاصة ذلك أن موجبات المساواة تفرض تمييزًا للمرأة في بعض الأعمال، وموجبات النظر الاجتماعي تمنع غض النظر عن الخصائص النوعية التي تتفتق عنها الحقائق الاجتماعية. كل هذه الأمور لا تمس الأصل العام الذي يقضي بالمساواة واكتمال الشخصية القانونية للمرأة، ولكنها أمور ينبغي عدم إغفالها في مجال الحرص على تكامل النظر، وفي مجال الحذر من إجمال الحكم وإطلاقه.
وأضيف إلى ذلك أن هذه الأوضاع التي قد تميز بين المرأة والرجل في مجال الأداء الاجتماعي قد تكون متغيرة بتغير الأزمان والأمكنة، ومن أمثلة ذلك ما ذكره الإسلاميون عن الوظيفة الجهادية للمرأة؛ إذ أوضحوا صورًا للجهاد هي من متغيرات الزمان، وكان حديثهم بشأنها صائبًا.