منير شفيق
أصبح من الجلي الآن أن الشروط التي حملتها إدارة بوش للدول العربية بعد العدوان على العراق واحتلاله (سبق وبُلّغت قبل ذلك) قد سقطت في الفلوجة والنجف وكربلاء، بل إن أهداف الحرب على العراق واحتلاله فشلت.
وذهبت كل توقعات الإدارة الأمريكية لعراق ما بعد الاحتلال بددًا، ولم يبقَ منها غير اليسير الذي يراد أن يكبر من خلال وسائل أخرى غير الحرب والإملاء.
ينطبق هذا على الشروط الأمريكية (قائمة الإملاءات) التي قدّمت للدول العربية، كما ينطبق على الموضوع الفلسطيني أكثر حيث بات من الواضح أن كل ما يحدث في القطاع منذ ثلاثة أشهر - في الأقل - قد فقد هدفه السياسي الأساسي، وأصبح محكومًا بروح الانتقام والتدمير والغيظ، مما سيفاقم أزمة شارون والاحتلال (الجيش الإسرائيلي) ولا يحلّها.
صحيح أن الثمن الذي سيُدفع عالٍ جدًا سواء كان بفقدان الشهداء القادة الشيخ أحمد ياسين ود. عبد العزيز الرنتيسي وإسماعيل أبو شنب والكوادر، أم بمئات الشهداء والجرحى من الناس العاديين، أم بالدمار الهائل الذي تعرضت له رفح وبخاصة حيّ تل السلطان وحيّ البرازيل، وصحيح أن الجرح في قلوب الفلسطينيين والعرب والمسلمين صار أعمق، والغضب أشدّ اشتعالًا، إلا أن ما يجري لا مفرّ منه ما دام العدو هو المشروع الصهيوني، وما دام مناصروه من الدول الكبرى لا يستطيعون أن يردّوه مهزومًا أمام المقاومة والانتفاضة والشعب الفلسطيني، وهو ما أعطاه إجازة ليرتكب كل ما عرفته رفح، وقبلها غزة؛ من جرائم حرب وسفك دماء ودمار، ومع ذلك فإن قرار الهزيمة اتخذ على شكل انسحاب من طرف واحد دون قيد أو شرط، كما أن قرار انسحاب القوات الأمريكية وضع على أجندة العراق، كما غدت قائمة الإملاءات الأمريكية على الدول العربية مطروحة على الطاولة، وكانت قبل بضعة أشهر غير قابلة للتفاوض (إما أخذها كلّها وإما فلا) .
هنا يأتي دور (الحكماء) الذين ابتلعوا ألسنتهم قبل الوصول إلى تلك النتيجة تاركين المجال لبوش وشارون ليحققا أهداف هجمتهما، لكن عندما انكسرت الهجمة، وبدت في الأفق إشارات هزيمة في فلسطين والعراق جاء دور (الحكماء) الذين يريدون إنقاذ الوضع، وبالتحديد إنقاذ شارون وبوش تحت حجة الخوف من الفوضى ومن الإرهاب في حالة انسحاب القوات الأمريكية من العراق، أو تنفيذ شارون لخطة الانسحاب من قطاع غزة بلا قيد أو شرط.
وبكلمة أخرى حرمان الشعبين الفلسطيني والعراقي من الانتصار عبر مساومة تتنازل فيها أمريكا عن (العُشر) وتستبقي التسعة أعشار، علمًا أنها كانت خاسرة تمامًا، فيا للحكمة، ويا لإنقاذ الوضع.
ومن هنا فإن من يتابع التعليقات والتصريحات التي عجّت بها أجهزة الإعلام يجد أن صوت أولئك (الحكماء) أخذ يعلو كأنهم هم الذين قاتلوا في الفلوجة والنجف وكربلاء، أو هم الذين كانوا في قلب الانتفاضة والمقاومة والصمود في فلسطين، أو هم الذين كانوا يضغطون ضدّ تلبية الدول العربية لقائمة الشروط الأمريكية، ولهذا توجّب الرد عليهم، وضرورة التعبئة في هذه المرحلة ضد الاستجابة لهذه (الحكمة) التي يمكنها أن ترمي طوق نجاة مؤقت لأمريكا، لكنها ستزيد من أزمة الوضع، وترفع من وتيرة الشهداء والدمار، لأن من غير المعقول كما من غير الممكن أن يحقق بوش وشارون من خلال (حكمتهم) ما لم يحققاه من خلال الصاروخ والدبابة، وليعودا سيرتهما الأولى من جديد وفي أسرع الآجال، وهؤلاء الحكماء يستندون إلى ما يلي:
أولًا: أن نظرية وقوع العراق في الفوضى، وتحوّله إلى مسرح للإرهاب إذا انسحبت القوات الأمريكية ليست صحيحة، وإن بدت في الظاهر منطقية، فالفوضى خرجت بسبب وجود الاحتلال الأمريكي، وإذا صحّ أن القوى التي ارتكبت أعمالًا إجرامية إرهابية في العراق مثل: زرع القنابل، أو إطلاق قذائف على الحشود في عاشوراء، أو ارتكبت جرائم الاغتيالات، أو ضربت ضدّ مراكز الشرطة، أو هيئة الأمم أو السفارات؛ هي من التنظيمات المشار إليها بالإرهابية؛ فحتى هذه جاء بها احتلال العراق، وسمح بها مناخ الإرهاب الذي مارسه الاحتلال ولم يزل، ابتداء بالقتل والاعتداءات، والنهب وتدمير الدولة، ومرورًا بالقصف العشوائي والقنص كما حدث في الفلوجة والنجف وكربلاء وبغداد والأنبار، وانتهاء (ليس بمعنى النهاية) بالجريمة المروعة التي ارتكبت بحق عرس في قرية القائم.
هذا ناهيك عن الفضائح الأمريكية في سجون ومراكز الاعتقال ومثالها سجن أبو غريب، وهذه بالصورة والصوت.