فهرس الكتاب

الصفحة 617 من 27364

علمًا أن تضخيم دور تلك القوى إن وُجدت حقيقة (لأن الأعمال المشار إليها تدخل في دائرة الشبهات التي تصل إلى الموساد ) يكذبه ما تكشفت عنه معارك الفلوجة والنجف وكربلاء، مما يؤكد أن القوى التي وراء المقاومة الحقيقية ضد الاحتلال الأمريكي على اختلاف توجهاتها نابعة من الشعب العراقي، وملتزمة بخط سياسي لا علاقة له من قريب أو بعيد بما تعبّر عنه البيانات الصادرة عن تنظيم (القاعدة) ، أو عن الزرقاوي، أو أسماء أخرى مشابهة، كما أن الإشارة إلى المتطوعين العرب وأعدادهم أبطلت صدقيتها الفلوجة ناهيك عن الأنبار والموصل والنجف وكربلاء والناصرية والبصرة وبغداد، فالشعب وممثلوه وأبناؤه كانوا المقاومة (بكل أشكالها التي يجيزها الشرع) .

وباختصار نحن أمام فزاعة كاذبة، وتقدير موقف وهمي، هذا إذا أحسنّا الظن، علمًا أن ثمة خشية من أن يكون الدافع وراء التخويف من انسحاب قوات الاحتلال من العراق هو الخوف من الشعب العراقي، ومن تمكّنه من بناء عراق بعيد عن الهيمنة الأمريكية، وبقيادة قوى ممثلة حقًا لغالبية الشعب، وهذه هي الضمانة الفعلية لحماية العراق من أن يصبح مرتعًا للإرهاب والفوضى، وهذان (الإرهاب والفوضى) لا يترعرعان إلا في المياه العكرة التي نموذجها كل حوض تحركه العصا الأمريكية والصهيونية.

أما حجة الفوضى والإرهاب فكيف يمكن أن تطبق على قطاع غزة في حالة انسحاب القوات الإسرائيلية مهزومة منه وبلا قيد أو شرط، فمن جهة لم تعرف تجربة انتفاضة الأقصى والمقاومة في فلسطين ذلك النمط من التنظيمات التي تتبنّى عمليات من طراز 11 أيلول / سبتمبر 2001 في أمريكا، أو 11 آذار/مارس في إسبانيا، أو تفجيرات عاشوراء في العراق، أو الاغتيالات بسبب المواقف السياسية أو الانتقام (أو لأي سبب كان) ، فالقوى التي سترث الاحتلال في فلسطين معروفة، ولا يستطيع أحد أن يتهمها بأنها ستجعل من الأراضي التي ينسحب منها الاحتلال مرتعًا للإرهاب أو الفوضى.

ومن ثم فإن الذين يريدون أن يدعموا (حكمتهم) بفزاعة الإرهاب والفوضى في حالة نزول هزيمة بقوات الاحتلالين في العراق وفلسطين إنما يقيمونها على أرجل خشبية لا تقوى على الصمود حين يُردّ عليها بقراءة الواقع كما هو.

ثانيًا: الحجة الأخرى تنطلق من أن الإدارة الأمريكية في مأزق، وهي مستعدة للتراجع جزئيًا (وهذا عظيم جدًا وفرصة!) ، وقد حوّلت ملف العراق وفلسطين والشرق الأوسط الكبير (ملف الدول العربية) من وزير الدفاع دونالد رامسفيلد إلى وزير الخارجية كولن باول (وهذه فرصة!) ، ولهذا فإن الحكمة تقضي بضرورة اغتنام هذا التحول (الهام) الذي كشف عنه عدم استخدام الفيتو الأمريكي ضد قرار مجلس الأمن الذي طالب الدولة العبرية باحترام التزاماتها الدولية في رفح، أو كما تكشف قبولها بوساطة الأخضر الإبراهيمي في العراق.

حسنًا: ما المطلوب؟ (الحكمة) تقتضي وقف المقاومة والانتفاضة والتسليم بتهدئة كل شيء على ضوء خطة شارون في فلسطين، والسير وفقًا لاقتراحات الإبراهيمي في العراق، أما على مستوى لبنان وسوريا فمن الممكن التقدّم بتنازلات لا تجعل الأمريكيين يتمسكون بكل شروطهم، فيكفي في كل الحالات أن يتمسكوا بتسعة أعشارها ويتنازلوا عن العشر للإبراهيمي ولمجلس الأمن وللدول العربية المعنية حتى تتحقق الصفقة الرابحة، وتلكم الحكمة في هذه المرحلة التي تواجه فيها إدارة بوش المأزق الخانق.

وإذا كان هناك من سيقول إن بوش سيعود سيرته الأولى بمجرد خروجه من المأزق وإعادة انتخابه، فإن الحكمة تقتضي أن نكسب هذه اللحظة الآن ويبنى عليها بعد ذلك، وبهذا يكون منطق أولئك (الحكماء) هبط بهم إلى الدرك الأسفل عندما يلخصون (الحكمة) السياسية بإنجاز وهمي وخاسر ومؤقت، خوفًا من النتائج غير المحسوبة لهزيمة الاحتلالين، أو لفشل سياسات بوش (الشرق أوسطية) .

من هنا فإن التقدير الصحيح للموقف والذي يقول إن الظرف الراهن فلسطينيًا وعراقيًا وعربيًا وإقليميًا، ورأيًا عامًا عالميًا، وفي مقابله الظرف الخانق الذي يواجهه بوش، فشل عسكري وسياسي في العراق وفلسطين، وفضائح يندى لها الجبين، وعدم قدرة على تفاهم حقيقي مع حلفاء يريدون إنقاذه من نفسه، ويخافون عليه من هزيمته، إلى جانب أزمة داخلية حيث اهتزت شعبيته، وارتفعت أسهم منافسه، ثم مأزق حليفه شارون الذي إذا واصل ارتكاب جرائم الحرب عمّق مأزقه، وخرّب على بوش أكثر، وإذا تراجع كانت هزيمة مجلجلة، ولهذا فإن الحكمة الحقيقية تقتضي عكس تلك (الحكمة) المزيّفة ألا ينقذ بوش وشارون من الهزيمة، وعدم الخوف من النتائج من خلال التهويل بفزاعة الفوضى والإرهاب.

المصدر: http://www.fm-m.com/2004/jun2004/sto r y16.htm

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت