إدريس جالو*
القارة الأفريقية منذ أمد طويل تعاني من ويلات النزاعات والحروب الأهلية، والتي ازدادت في العقد الأخير من القرن الماضي بشكل ملحوظ، بحيث وصلت إلى حد المجازر والإبادة الجماعية، كما حدث في رواندا عام 1994م، فهذه النزاعات الخطيرة مرتبطة بالأزمات السياسية الداخلية كالصراع علي السلطة أو الخلافات السياسية بين دول متجاورة كما حدث في منطقة البحيرات العظمي وفي القرن الإفريقي .
فهذه النزاعات لم تكن وليدة اليوم بل جاءت نتيجة لتراكمات تاريخية، منذ عهد الإستعمار الأوربي للقارة الأفريقية والذي بدا عقب مؤتمر برلين ، الذي سعي لتقسيم القارة بين الدول الأوربية الإستعمارية، وقد سُميت تلك السياسة بحملة"التكالب علي أفريقيا"، وقد وقعت هذه النزاعات - أيضا بسبب ممارسات الخاطئة لسلطات المتعاقبة في معظم الدول الأفريقية، وعبر ظاهرة الإنقلابات العسكرية التي انتشرت في القارة بعد تحررها من الإحتلال.
إذن، جذور النزاعات في أفريقيا سببها الرئيسي هو الإستعمار الأوربي الذي غرس بذور ها من خلال حملات التنصير وسياسة فرق تسد، ومحاباة القبائل الصغيرة"الأقليات"بوضع كل امكانات السلطة والثروة في أيديهم مع تهميش الغالبية من القبائل الكبرى بهدف تحقيق الأهداف الإستعمارية التنصيرية الصهيونية، حيث لا تجد هذه الأقليات الحاكمة والممكنة من سبيل لحفظ سلطانهم سوى الوقوع في أحضان هذه القوى الإستعمارية و الوقوف في صفها ضد شعوبها.
كما نلاحظ كذالك إن النزاعات في القارة من تداعياتها أيضا هو سياسة التي اتبعتها المستعمر الأوربي بتقسيم القارة تقسيما لا تقوم علي الموضوعية، حيث تم رسم حدود الاصطناعية بين دول القارة بدون استشارة شعوبها، الأمر الذي نتج عنه توزيع الجماعة الإثنية الواحدة علي عدة كيانات سياسية كما هو واضح في معظم الدول الأفريقية في غرب القارة وفي القرن الأفريقي وغيرهما.
والواضح إن الإستعمار الأوربي كان ينص دائماً علي عدم وجود تجانس عرقي ومذهبي في المستعمرات الأفريقية (لحاجة في نفس يعقوب) وهي إعاقة الوحدة الوطنية بداخلها لتحقيق أهدافه، كما لم يلاحظ المستعمر ظروف بعض المناطق من حيث مصادر المياه والموارد الإقتصادية، فبقيت بالتالي بعض المناطق جاذبة والأخرى طاردة مما أدي إلى تنافر الجماعات وإلى الصراعات الدموية بينها خاصة بين المزارعين والرعاة.
لقد كان لكل من بريطانيا وفرنسا النصيب الأكبر من التقسيم الإستعماري الأوربي علي القارة الأفريقية حيث استأثرت بريطانيا بوادي النيل وجنوب الأفريقي، بينما سيطرت فرنسا علي المغرب العربي وغرب الا فريقي بشكل عام، وبقيت ايطاليا في ليبيا، بينما ارتبطت أنغولا و موزمبيق بالبرتغال، وكأمثلة علي السياسات الإستعمارية لكل من بريطانيا وفرنسا، نستطيع أن نسوق ما حدث في السودان ونيجيريا وتشاد وساحل العاج، بحيث فصلت بريطانيا شمال السودان عن جنوبه بموجب ( قانون المناطق المغلقة) ، بينما قسمت نيجيريا إلى ثلاثة أقاليم عرقية وهي إقليم الهوسا واليوربا والإيبو، وبالنسبة لفرنسا فقد فصلت بين المسلمين والمسيحيين في كل من تشاد وساحل العاج في شطري البلاد شمالا ذات أغلبية مسلمة وجنوبا ذات أغلبية مسيحية، وقد ترتب علي هذه السياسات حدوث نزاعات في هذه الدول وغيرها من الدول الأفريقية، ومن المؤسف أن الرؤساء الأفارقة بعد الإستقلال في الخمسينات والستينات من القرن الماضي لم يلتفتوا لتصحيح هذا الوضع السالب المورث من المستعمر الأوربي؛ وتركوه كما هو بل اعترف به كحدود دائمة للدول الأفريقية، فقد نص ميثاق منظمة الو حدة الأفريقية في عام 1963م؛ علي عدم المساس أو تغيير الحدود الموروثة من العهد الإستعماري وكأنها حدود مقدسة، وبالرغم من المساوئ التي ترتبت عنها في تمزيق الجماعات العرقية بين عدة دول مجاورة، مما سبب نزاعات مع الجماعات العرقية الأخرى مخالفة لها في العرق أو الثقافة، مما جعل مهمة بناء الوحدة الوطنية شاقة للغاية بعد الإستقلال في كثير من الدول الأفريقية .