فهرس الكتاب

الصفحة 10817 من 27364

عبد الرحمن بدوي

من الأفكار الأصيلة التي عرضها ابن خلدون في «مقدمته» نظريته في العمل والقيمة، وهي قريبة جداً من نظرية ماركس التي تردّ القيمة الى العمل المبذول في إنتاج السلعة.

فقد عقد ابن خلدون فصلاً ممتازاً «في حقيقة الرزق والكسب وشرحهما، وإن الكسب هو قيمة الأعمال البشرية» فبيّن افتقار الإنسان الى العمل لإنتاج السلع التي تشبع حاجات نفسه إما مباشرة باستهلاكها والإنتفاع المباشر بها، واما بالمعاوضة عنها بما أنتجه الآخرون مما هو في حاجة اليه. إذ لا سبيل الى تحصيل ما أنتجه الغير إلا بإعطائه بديلاً عنه. ولهذا يقول: «أيدي البَشَر منتشرة فهي مشتركة في ذلك (أعنى في إنتاج السلع) وما حصلت عليه يد هذا امتنع عن الآخر إلا بعوض. فالإنسان متى أقتدر على نفسه وتجاوز دور الضعف سعى في أقتناء المكاسب ينفق ما أتاه اللّه منها في تحصيل حاجاته وضروراته بدفع الإعواض عنها» .

ويمضي ابن خلدون في بيان نظريته فيقول تماما كما يقول ماركس إن قيمة العمل انما تقاس بكميته، فيقرر بصريح العبارة: «وقد يكون مع الصنائع في بعضها غيرُها مثل النجارة والحياكة معهما الخشب والغزل، الاّ إن العمل فيهما (أي في النجارة والحياكة) أكثر، فقيمتُه أكثر» : وعلى هذا فإن العبرة في تقويم الإنتاج هي بكمية العمل التي بذلت لتحصيلها. ذلك أن العمل المبذول في صناعة قطع الأثاث أكبر من العمل الذي بذل في قطع الأشجار، والعمل المبذول في النسيج أكبر منه في الغزل؛ ولهذا يجب أن يجري تقويم كل نوع منهما وفقاً لذلك، فيكون الأول أغلى من الثاني. لكن يلاحظ ان ابن خلدون هنا قد اقتصر على ضرب المثل بصناعات متكاملة حتى يسهل عليه التخلص من الاعتراض الذي يثار دائماً ضد نظرية القيمة بحسب العمل، وهو: كيف تقوم السلع المتباينة وليس ثم أساس مشترك لتقدير العمل بينها؟ وبهذا نرى ابن خلدون بعيداً عن التفكير في مواجهة كل الإعتراضات المشهورة على هذه النظرية. وأهمها أولاً أنه قد يحدث مراراً أن يكون ثمّ قيمة حيث لا عمل أصلاً، مثل اكتشاف نبع أو بئر بترول أو عروق معدن بالصدفة لا بالبحث والتنقيب. وثانياً أننا لو قارنّا بين عمل نحات وعمل قاطع أحجار، لوجدنا أن الأول ينتج في ساعتين ما لا ينتجه الآخر في عشر الساعات من حيث قيمة الناتج. وثالثاً دعوى أن التبادل تكافؤ وهذا باطل لأن استبدال عشرة قناطير من القطن مقابل ثلاجة ليس فيه تكافؤ، بل يتوقف الأمر على المنفعة بالنسبة الى المتقايضين. ورابعاً نرى هذه النظرية تغفل التمييز بين نوعين من الخيرات: نوع لايدخله عمل انساني . ونوع آخر يقوم به العمل الإنساني، وكلاهما ذو قيمة. فالأحراش ومساقط المياه والينابيع وما إليها لا يدخلها عمل إنساني، ومع ذلك فلها كل قيمتها.

على أن ابن خلدون - وهذا من حصافته ولو ذعيته - أدرك هذا الإعتراض الأخير فبدأ كلامه بالتمييز بين كلا النوعين من الخيرات ، ولم يتجاهله كما صنع ماركس . فقال ابن خلدون: «وقد يحصل له ذلك (أي المنافع) بغير سعى كالمطر المصلح للزراعة وأمثاله، إلا أنها أينما تكون مُعينة ولابد من سعيه معها» ( ص 186) - ومعنى هذا أنه يرى أن الخيرات الخالية من العمل الإنساني ليست إلاّ وسائل مساعدة ولا تكفي بنفسها لسد حاجة الإنسان وهذا ما لوحظ فعلاً في الرد على الإعتراض الرابع. فإن الأحراش ومساقط المياه ومواطن المعادن لاتقوم لنفسها بإعطاء السلع الصالحة للاستهلاك، بل لابد من إقامة المنشآت واستخدام الآلات وبذل الجهود البشرية والآنية لتقطيع الأشجار وتحويلها الى أخشاب صالحة بعد ذلك لصناعة الأثاث والبناء - بالنسبة الى الأحراش؛ ولابد من المنشآت والآلات والجهود البشرية والآلية لاستغلال مساقط المياه باستنباط الكهرباء منها وتوزيعها بعد ذلك للانتفاع منها في التحريك والإنارة وما الى ذلك ... وهكذا يصدق مالاحظه ابن خلدون من أن النوع الأول من السلع وهو الذي يبدو في الظاهر خالياً من العمل يتضمن في الواقع عملا ضخماً من أجل أن يكون كفيلاً باشباع الحاجات الإنسانية. ولهذا يقول ابن خلدون مشيراً الى هذا المعنى: «وقد تكون ملاحظة العمل ظاهرة في الكثير منها فتُجعل له حصة من القيمة - عظمت أو صغرت؛ وقد تخفى ملاحظة العمل كما في أسعار الأقوات بين الناس، فإن اعتبار الأعمال والنفقات فيها ملاحظ في أسعار الحبوب... لكنه خفى في الأقطار التي علاج الفلح فيها ومؤونته يسيرة فلا يشعر به إلا القليل من الفَلح» .

ولهذا يختم ابن خلدون بحثه ها بعبارة حاسمة فيها يصوغ نظريته كلها وهي «أن المفادات والمكتسبات كلها، أو أكثرها، إنما هي قيم الأعمال الانسانية» ويلاحظ هنا تحفظه حين قال: «أو أكثرها» - فهو لم يندفع اندفاع ماركس الذي ردّ كل قيمة الى العمل ولم يراعِ الفوارق والأحوال الاستثنائية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت