فهرس الكتاب
ويلحَّ ابن خلدون في توكيد معنى استمداد القيمة من العمل عدة مرات طوال هذا الفصل والفصل الذي يليه « في وجوه المعاش وأصنافه ومذاهبه» ، فيقرر أن «مايفيده الإنسان ويقتنيه من المتمولات إن كان من الصنائع فالمفاد المقتنى منه قيمة عمله، وهو القصد بالقنية، إذ ليس هناك إلاّ العمل» .
ويرتفع في تمجيد العمل الى حد يجعله وحده مصدراً لكل قيمة وانتاج فيقول: «لابد من الاعمال الانسانية في كل مكسوب ومتموَّل، لأنه إن كان عملا بنفسه مثل الصنائع - فظاهر؛ وإن كان مقتى، من الحيوان والنبات والمعدن، فلا بد فيه من العمل الانساني... والاّ لم يحصل ولم يقع به انتفاع» . وليس ثم أصرح من هذا في توكيد ضرورة العمل الإنساني... ولهذا نراه أيضاً في الفصل الذي عقد بعنوان «ان الخدمة ليست من المعاش الطبيعي» يقرر أن على كل إنسان أن يباشر حاجاته بنفسه والاّ يدع للغير مهّمة العمل ويكتفى هو بالربع، وهو ما يلجأ اليه بعض المترفين. قال ابن خلدون «إن أكثر المترفين يترفع عن مباشرة حاجاته، أو يكون عاجزاً عنها لما ربّى عليه من خلق التنعم والترف، فيتخذ من يتولى ذلك له، ويقطعه عليه أجراً من ماله. وهذه الحالة غير محمودة بحسب الرجولية الطبيعة للانسان» .
وإذن فابن خلدون يرى أن ترفع بعض الناس عن مباشرة الأعمال وترك ذلك لمن يستأجرهم الإنسان لذلك ويقطعهم عليه أجراً من ماله - يرى أن هذا ليس من الرجولية الطبيعية للإنسان، بل الطبيعة تقتضي من الإنسان أن يباشر استثمار أمواله وتوفير حاجاته، وهذا لا يكون إلا بالعمل المباشر لتثمير المال وتحصيل الحاجات والضرورات، فالكسب، كما يقول في الفصل الخاص بالكسب، إنما يكمن بالسعي في الإقتناء والقصد الى التحصيل. «فلاُبد في الرزق من سعىَّ وعمل» .
ولهذا نراه يستبعد الوسائل الأخرى في تحصيل المعاش، أعني كل وسيلة لاتبنى على عمل، لانها وسائل غير طبيعية، فيعتقد فصلاً خاصاً يبين فيه «أن ابتغاء الاموال من الدفائن والكنوز ليس بمعاش طبيعي» ، فضلاً عن أنه في جميع الأحوال إلا النادر جداً لايؤدي الى شيء، ولهذا لم يحصل الذين سلكوا هذا السبيل «إلا على الخيبة في جميع مساعيهم... فيحتاج من وقع له شيء من هذا الوسواس وابتلى به أن يتعوذ باللّه من العجز والكسل في طلب معاشه... وينصرف عن طريق الشيطان ووسواسه ولا يشغل نفسه بالمحالات» (ص 190) .
وهكذا نرى في نظرية ابن خلدون في العمل والقيمة المستعدة من العمل أصالة عميقة سبق بها ماركس بخمسة قرون وأجاب مقدماً على بعض ماوجه الى نظرية ماركس في القيمة بحسب العمل من إعتراضات، و كشفت عن جانب رائع من عبقرية هذا المفكر المسلم الفذّ.
المصدر: دور العرب في تكوين الفكر الاوروبي