فهرس الكتاب

الصفحة 7883 من 27364

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

فضيلة الشيخ عبد المحسن العبيكان وفقه الله تعالى

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأسأل الله لي ولكم العافية في الدنيا والآخرة وبعد:

فانطلاقاً من قول صلى الله عليه وسلم: ( الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله ؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ) , ومن باب التواصي بالحق ووجوب المناصحة بين المسلمين أكتب لكم بعض التعقيبات والإيرادات على ما طرحتموه وتطرحونه في الحوارات الفضائية والصحفية من بيان موقفكم من قيام المجاهدين السنة في أرض الرافدين برفع راية الجهاد ضد العدو الصليبي المحتل الذي غزا المسلمين في عقر دارهم ، وقصدي من هذه المناصحة بالدرجة الأولى أنتم بارك الله فيكم ؛ فإني أخاف عليكم من تبعات هذه الفتوى في الدنيا والآخرة , وإلا والحمد لله فالسواد الأعظم من المسلمين علمائهم وعامتهم قد أنكروا هذه الفتوى واستغربوا أن تصدر من أمثالكم .

أسأل الله عز وجل أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم والآن أرجو أن تفتح قلبك لهذه المناصحة وأن تتقبلها بصدر رحب وأن تحسن الظن بمسديها لكم .

فضيلة الشيخ: يرد على فتواكم بعدم مشروعية الجهاد في العراق الإيرادات التالية:

الإيراد الأول: من المعلوم أن الفتوى الشرعية حتى تكون مسددة وصائبة فلا بد لها من ركنين اثنين:

الأول: معرفة الواقعة التي يراد الافتاء فيها من جميع الجوانب .

الثاني: معرفة حكم الله فيها أو في مثلها وحينئذ ينزل الحكم على الواقعة وبهذا يتم إصابة الحق إن شاء الله تعالى ولتطبيق هذه القواعد على ما يدور الآن من جهاد وقتال بين المسلمين وبين الكفرة الصليبين الغزاة و المظاهرين لهم من المنافقين في العراق يتبين لنا ما يلي:

أولاً: توصيف الواقع: والواقع في أرض العراق أنها أرض إسلامية غزيت من قبل الأمريكان الكفرة وحلفائهم من الغرب والشرق واحتلوا هذه الأرض الإسلامية وفتنوا المسلمين أصحاب هذه الديار في دينهم ودمائهم وأعراضهم واقتصادهم .

ومما يتعلق بوصف الواقع أيضاً أن غزو الكفار لأرض العراق سيتعداه إلى الدول المجاورة للعراق فيما لو انتصر الكفار وفرضوا سيطرتهم على العراق - لا قدر الله تعالى - وهذا ما يلوحون به بل يصرحون به أحياناً بما يسمى بـ مشروع الشرق الأوسط الكبير-

ثانياً: معرفة حكم الله عز وجل في مثل هذه الواقعة:

قد حسم علماء الإسلام هذا الأمر بما لا يدع مجالاً للشك ولا للتردد والحيرة حيث قسموا الجهاد في سبيل الله عز وجل إلى قسمين:

(1) جهاد الطلب: وهو طلب العدو في أرضه وإخضاعه لدين الإسلام وهو فرض كفاية إلا أن يطلب الإمام النفير من عموم المسلمين فعندئذ يتعين ، وكذلك الحال فيما لو حضر المسلم الصف للقتال فلا يجوز له حينئذ النكوص عن القتال ولو كان القتال في أصله كفائياً .

(2) جهاد الدفع: وهو جهاد الكفار الذين هاجموا المسلمين في عقر دارهم وراموا احتلال بلاد المسلمين وفرض حكمهم عليهم .

وهذا النوع من الجهاد هو الذي أفتى فيه أهل العلم بأنه فرض عين على أهل هذا البلد المغزو حسب القدرة المتاحة لهم فإن لم يستطيعوا وجب على من يليهم من بلدان المسلمين نصرتهم وفي ذلك .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ( وإذا دخل العدو بلاد المسلمين فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب ، إذ بلاد المسلمين كلها بمنزلة البلدة الواحدة ) [1] .

وقد نقل رحمه الله تعالى الإجماع على وجوب جهاد الدفع هذا , وأنه لا يشترط له شرط من توفر القدرة التامة والإمكانات , بل إن العدو يدفع حسب الإمكان ؛ يقول رحمه الله تعالى: ( وأما الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعاً ، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه ، فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان ، وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم فيجب التفريق بين دفع الصائل الظالم الكافر وبين طلبه في بلاده ) . [2]

ولما سئل رحمه الله تعالى فيما لو تعارض إنفاق المال في الجهاد الذي يتضرر بتركه مع إطعام الجياع أفتى رحمه الله بقوله: ( قدمنا الجهاد وإن مات الجياع كما في مسألة التترس وأولى ؛ فإن هناك - التترس - نقتلهم بفعلنا وهنا يموتون بفعل الله ) . [3]

ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ( فقتال الدفع أوسع من قتال الطلب وأعمّ وجوباً ، ولهذا يتعين على كل أحد أن يقوم ويجاهد فيه: العبد بإذن سيده وبدون إذنه ، والولد بدون إذن أبويه ، والغريم بغير إذن غريمه ، وهذا كجهاد المسلمين يوم أحد والخندق ، ولا يشترط في هذا النوع من الجهاد أن يكون العدو ضعفي المسلمين فما دون ، فإنهم كانوا يوم أحد والخندق أضعاف المسلمين ، فكان الجهاد واجباً عليهم ، لأنه حينئذ جهاد ضرورة ودفع ، لا جهاد اختيار ) [4]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت