فهل يدع هذا الكلام الواضح الصريح الذي صرح به هذان العالمان الجليلان في حكم جهاد الدفع من قول لقائل أو فتوى لمفت بأن جهاد الأمريكان الغزاة في العراق غير مشروع
الإيراد الثاني: من حجج المانعين من جهاد المحتلين في العراق عدم مقدرة المسلمين هنالك على قتال الأمريكان وحلفائهم ؛ وذلك لضعفهم وللأضرار العظيمة التي تصيب المسلمين من عدوهم من جراء ذلك .
والجواب على هذه الشبهة من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: سبق كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى وتلميذه ابن القيم رحمه الله تعالى وذلك بقولهما إن جهاد الدفع لا يشترط له شرط بل يدفع العدو الصائل حسب الإمكان ؛ لأنه جهاد ضرورة ودفع لا جهاد اختيار ، ولا أرى داعياً إلى نقل كلامهما مرة ثانية فليرجع إليه في الفقرة السابقة .
الوجه الثاني: إن القول بأن المسلمين في العراق لا قدرة لهم ولا حيلة لدفع عدوهم الكفار والمحتل كلام يكذبه الواقع ويرده ، فما نراه اليوم ونسمعه من الإثخان الشديد والنكاية العظيمة بالكفرة الغزاة من قبل المجاهدين شيء يثلج صدور كل مسلم صادق محب لدينه وأهل ملته ، وقد اعترف العدو الكافر بهذه المعاناة والإثخان مع محاولته التعتيم الشديد على نقل أخبار قتلاه وجرحاه وخسائره الكبيرة ، فكيف يقال إنه لا قدرة للمسلمين هناك على قتال عدوهم ونحن نرى ونسمع ما يشفي صدورنا من هزائم متلاحقة للكفرة وأذنابهم من المنافقين ؟
الوجه الثالث: لو سلمنا باشتراط القدرة لجهاد المحتل في العراق فما هي حدود هذه القدرة ومن الذي يحددها ؟
وللجواب على ذلك نرجع إلى ما سبق بيانه من أن الفتوى والحكم على الشيء يقوم على معرفة الواقعة التي يراد الحكم فيها ، وعلى معرفة حكم الله في مثلها ، وإذا أردنا أن نطبق هذه القاعدة هنا على مسألة القدرة على قتال الغزاة في العراق فمن الذي يصف لنا هذا الواقع ويحدده بدقة ؟ أهم الذين يعيشون هذا الواقع ويعرفون ما عندهم من القدرة وما عند عدوهم ؛ ويعلمون الملابسات والظروف المحيطة بهم وغير ذلك من المسائل التي لها أثر في إعطاء الوصف الدقيق ؟ أم أن الذي يصف هذا الواقع وبالتالي يفتي فيه هو من يجهل هذا الواقع ممن هو بعيد عن البلد وظروفه ومجريات الأمور فيه ولا دراية له بأحوال المجاهدين وقدراتهم ولا حال عدوهم وما يعاني من مشاكل وورطات ؟ لا شك أن الجواب البدهي الموافق لقواعد الفتوى هو أن الذي يحدد القدرة ووجوبها من عدمها هو من يعيش في هذا الواقع ويراه و يلمسه ، ويعاينه يوماً بعد يوم ، فلا جرم أن كانوا هم أولى من يفتي في ذلك فهم الذين يقاسون حر وجرم العدو الغازي ويلمسون جبنه وخيبته ؛ وثقتهم بالله عز وجل كبيرة في إلحاق الهزيمة به ولو بعد حين .
فليتق الله عز وجل أولئك الظالمون لأنفسهم الذين يفتون في واقع الجهاد وهم بعيدون عنه لا يعلمون عنه إلا نتفاً من هنا وهناك ـ وقد يكون أغلبها من الإعلام المضلل المخذل ـ وليتركوا الحكم على الوقائع لأهلها الذين يعانون حرها وقرها , ويعرفون مدخلها ومخرجها . نسأل الله عز وجل أن يرفع عنهم البلاء وأن يثبت أقدامهم وينصرهم على القوم الكافرين .
الإيراد الثالث: عندما غزا الروس الشيوعيون بلاد الأفغان في العقود الماضية أجمع علماء المسلمين على مشروعية جهاد الشيوعيين هنالك , وهب أغنياء الأمة وأغلب حكامها في مساندة المجاهدين في أفغانستان بالمستطاع من المال والعتاد والرجال ، وبعد أن هزم الله الشيوعيين على أيدي المجاهدين وخرجوا أذلة صاغرين بعد ذلك بسنوات غزا الصليبيون أرض أفغانستان بقيادة أمريكا الطاغية ثم قامت بعد ذلك بغزو العراق واحتلاله والسؤال الذي يطرح نفسه الآن بقوة هو:
ما الفرق بين غزو الشيوعيين لبلاد أفغانستان وبين غزو الأمريكان الكفرة لبلاد الأفغان والعراق ؟
أليس كلاهما عدوين كافرين قاما بغزو المسلمين في عقر دارهم واحتلوا بلادهم ؟
إذن فما معنى كون الجهاد مشروعاً ضد الشيوعيين عندما احتلوا أفغانستان وليس مشروعاً عندما احتل الأمريكان الكفرة أفغانستان والعراق ؟ وما معنى أن يهب المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها لنصرة إخوانهم المجاهدين في أفغانستان ـ هذا بنفسه وذاك بماله ، وآخر برأيه وخبرته ـ ثم لا نجد هذه المناصرة للمجاهدين في أرض العراق المحتلة إلا من قلة من الناس على خوف ووجل ؟ أليس في هذا تفريق بين متماثلين وتطبيق لمعيارين ؟ وإن لم يكن هذا هو الواقع فما هو الجواب إذن ؟
إني لا أجد جواباً مقنعاً إلا القول بأن أمريكا كانت راضية مؤيدة لذلك الجهاد لأنه ضد أعدائها الروس ، أما في العراق فإن أمريكا هي الغازية وبالتأكيد هي المستهدفة بالقتال والجهاد , هذا هو الجواب المقنع لهذه التساؤلات المحيرة ، ولكن هل هذا الجواب هو المنجي بين يدي الله عز وجل ؟ وهل هو عذر لهذا التخذيل والتعويق والتباطؤ عن نصرة المجاهدين في أرض الرافدين ؟