فهرس الكتاب

الصفحة 8611 من 27364

[الكاتب: أبو محمد المقدسي]

فإذا تكلمنا عن الأقليات واضطهادها، فإنه في مقابل غدر الأوروبيين ونقضهم السريع لعهودهم وعقودهم التي كانوا يبرمونها مع الأقليات المسلمة الذين سقطت ولاياتهم تحت أيدي الاسبان بين يدي سقوط الأندلس، وفي مقابل إبادة أولئك المسلمين وإكراههم على تغيير دينهم أو تخييرهم بين ذلك أو الموت في محاكم التفتيش في غرناطة وغيرها...

في مقابل ذلك فإن المسلمين - دعنا من فترات تاريخهم الذهبية التي لم تشهد صورة من صور إكراه غير المسلمين على الإسلام بل كانت الدولة تتكفل بحمايتهم ورعايتهم وحفظ حقوقهم، عملاً بالنصوص الشرعية الكثيرة التي تأمر بأداء الأمانات والوفاء بالعهود والعقود والأحاديث التي تتوعد من آذى ذمياً أو مستأمناً ؛ وحين تعجز الدولة في بعض أطرافها وولاياتها عن حمايتهم ترد عليهم جزيتهم.. أقول دعك من تلك العصور وتعال معي إلى الخلافة في شيخوختها حيث كانت الأقليات غير المسلمة من الأرمن والروم واليهود في اسطنبول إبان الحكم العثماني تتصل مع أعداء الدولة المسلمة وتكيد لها المكائد وتثير القلاقل والمشاكل مما أغضب السلطان سليم الأول فأصدر قراراً بإجبار هذه الأقليات على اعتناق الدين الإسلامي، فهل رضي بذلك المسلمون وهل أقره عليه العلماء.. إن التاريخ يخبرنا أن العلماء أنكروا عليه ذلك أشد الإنكار ومنهم شيخ الإسلام (زمبيلي علي جمال) الذي ساءه ذلك جداً وواجه السلطان بقوله: (أيها السلطان إن هذا مخالف للشّرع إذ لا إكراه في الدين، وإن جدكم محمد الفاتح عندما فتح اسطنبول اتبع الشرع الإسلامي فلم يكره أحداً على اعتناق الإسلام بل أمن الجميع على عقيدتهم فعليك بإتباع الشرع الحنيف واتباع عهد جدكم محمد الفاتح) وهدد بخلع السلطان إن هو أصر على قراره.. ولكن السلطان الذي كان يحترم العلماء استجاب له وترك للأقليات غير المسلمة دينها وعقيدتها..

وقصة السلطان سليمان القانوني مع يهودي أبى أن يبيع كوخاً له في أرض أراد السلطان إقامة مسجد جامع عليها، صورة مشرقة من ذلك، فمع إصرار اليهودي على رفضه البيع ذهب السلطان إلى كوخ اليهودي يرجوه ويسترضيه ويعرض عليه أضعافاً مضاعفة لثمن كوخه، وذهل اليهودي لمشهد السلطان يرجوه ويسترضيه لأجل بيع الكوخ.. وهو القادر على طرده من الدولة كلها، فوافق على البيع وقام مسجد السلطان سليمان القانوني على تلك البقعة بعد استرضاء وموافقة ذلك اليهودي!!

أقول هذا حدث في شيخوخة الدولة الإسلامية وهرمها وتهلهلها، وأمثاله والله كثير ولست هنا في صدد تتبعه واستقصائه. ومنه تعرف أن وتر الأقليات في الدولة المسلمة والذي يطنطن أحياناً عليه أعداء الإسلام إنما يعزف عليه ويطرب لها أصحاب المآرب الخبيثة الذين يسعون في الحقيقة إلى سيطرة تلك الأقليات التي توافقهم وتقاربهم في الدين على مقاليد الحكم في بلاد المسلمين..

فأنت ترى أن اليهود والنصارى كانوا ينعمون بالأمن والأمان على ممتلكاتهم وعباداتهم وكنائسهم وأنفسهم وذراريهم في ظل دولة الإسلام، ولم يكونوا يكلفون الدفاع عن الدولة أو يجندون تجنيداً إجبارياً بل تتحمل الدولة حمايتهم مقابل جزية زهيدة تدفع بالسنة مرة وكان كثير من الخلفاء والولاة يسقطونها عمن كبر وعجز منهم.. ويردونها عليهم في حال عجز الدولة عن حمايتهم وتأمينهم.. كل ذلك عملاً بقوله تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة:8) .. وعملاً بوصية رسول ا صلى الله عليه وسلم في أهل الذمة والمعاهدين الذين يحفظون عهودهم ويلزمون حدودهم فلا يعتدون على الإسلام وأهله.. أليست غضبة عمر ومقالته التي ذهبت مثلاً: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً) قيلت انتصاراً لقبطي من مصر ضربه ابن للوالي هناك؟

لن أتكلف هنا إثبات أن الأقليات غير المسلمة كانت تحظى في ظل الدولة الإسلامية بالصون والأمان ما داموا كذلك ؛ وأنهم ذاقوا من الأمن والأمان في ظل عدل الإسلام مالم يذوقوه تحت حكم أبناء جلدتهم وأهل ملتهم ؛ لأنني سأذهب إلى أبعد من ذلك فأقرر أنهم كانوا يعاملون بالعدل والمعروف والإحسان حتى في حال غدرهم بالمسلمين وتعديهم على الإسلام وأهله..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت