النبوءة في الحقبة الصليبية
أيمن خالد
الإمبراطور الروماني هرقل والذي يعتبر من أبرز العارفين بالمسيحية، وأحد أهم الأباطرة الذين حكموا الدولة الرومانية - التي أدخلت المسيحية إلى أوروبا - كان أول من رسم الحدود السياسية للعالم المسيحي خارج نطاق الجغرافيا العربية والإسلامية، ولم تنكر عليه الكنيسة أو أحد من الرهبان الذين عايشوا حقبته ذلك الفعل، حدث هذا في أثناء الوداع الأخير الذي تحمله سجلات التاريخ وكتبه عندما وقف في إنطاكية ليعلن من هناك قولته الشهيرة: «عليك السلام يا سورية سلام مودع لا يرجو أن يرجع إليك أبداً» ، وكانت سورية تعني بلاد الشام.
وتبدو أهمية ذلك الوداع والذي رسم فيه هذا الإمبراطور الروماني تلك الحدود لكونه هو الذي يعتبر ناصر المسيحية، ومسترد صليب المسيح حسب اعتقاد رهبان المسيحية عندئذ من الفرس، وهو الذي حارب المسلمين الذين كان ظهورهم عملياً في حقبته، خاصة وأنه كان على دراية تامة بالديانة المسيحية آنذاك، وهو الذي تنبأ بانهيار دولته، ووصول الإسلام إلى الشام حيث كانت تطأ قدماه ترابها، وذلك في حواره الشهير مع الرهبان لحظة وصول رسول النبي صلى الله عليه وسلم برسالته الشهيرة إليه.
عموماً هذا الوداع لم ينكره عليه أحد لمعرفة رجال الكنيسة آنذاك أن وجود الرومان في الأرض العربية هو طارئ، وليست هناك أية أبعاد دينية له، بمعنى أن المكان الذي ولد فيه المسيح - عليه السلام - لا يحمل دلالة أو مبرراً لأن يكون تحت سيطرة الكنيسة، ولا يعني أن يكون جزءاً من الجغرافيا السياسية التي تنازعها الدول وفق أساس ومعتقد ديني، وهو الذي اخترعته الصليبية فيما بعد حيث أرادت رسم الجغرافيا المسيحية لتكون فوق الأرض الإسلامية، وذلك بعد أحد عشر قرناً من عمر المسيحية، متجاهلة حقيقة دينية وتاريخية أن المسلمين هم أولى الناس بالمسيح - عليه السلام -، وأن القرآن الكريم كتاب الله - عز وجل - ووحيه الأخير، والذي يؤمن به المسلمون؛ هو أول من أعطاه وأمه مريم مكانة طاهرة لم يحصل عليها هو ولا أمه داخل المسيحية المتاحة الآن، إذ رفعته المسيحية إلى درجة التأليه، والمعلوم في دين الله أن أرفع الدرجات أن يكون الإنسان عبداً لربه، وهذا هو تكريمه في الدنيا.
بنتيجة الأمر فإن تلك حقبة مضت، ومع مجيء «أوربان» تم إعادة رسم الخريطة الدينية للمسيحية من جديد، فوضعت الكنيسة خطط السير إلى القدس ليكون ذلك في مواجهة الإسلام بغية إزاحته عن خريطة الكون، وهذه الفلسفة وجدت لها أرضية لدى الرهبان، والذين كانوا يشيعون منذ بولس أن الكون إنما سينتهي عند انتصار المسيحية على جميع من فيه، متوجة بنبوءة الخلاص التي تفترض أن المسيح سينزل عند حدوث ذلك، وكان القديس أوغسطين قد اخترع فيما بعد فكرة الحرب العادلة لكي يبرر حاجة الفرسان والأمراء لتلك الرؤية للاقتتال بغاية النهب، ثم أصبح ذلك تشريعاً ملزماً في الكنيسة، وعندما جاء «أوربان» استفاد كثيراً من هذا التشريع، وكان عليه أن يقدم العديد من الإضافات، ووجد الطريق خالية لكي يكرس خاصية جديدة، وأسلوباً يناسب الحالة الراهنة آنذاك في أوروبا، بما يساهم في سوق الناس نحو الحروب.
وهكذا جاء تكريس ما سمي بالنبوءات لتحقيق هذه الغاية، فأصبحت فكرة الخلاص ونزول المسيح مقترنة بشكل أو بآخر بالحرب على المسلمين، وأصبح الغفران ونزول المسيح الثاني بانتظار هذا الجيش الجرار الذي سيغادر أوروبا نحو القدس، ولما لم تكن هناك نصوص تاريخية ثابتة وواضحة تحث على قتال المسلمين، خصوصاً وأن الإسلام إنما ظهر في القرن السابع الميلادي؛ فكان لا بد من اختراع ما يناسب ارتكاب الجريمة بحق الإسلام، وبذات الوقت يناسب العقل الأوروبي المغلق في تلك الحقبة، فظهرت فكرة النبوءات المنامية، والتي كان الرهبان يرونها في أثناء النوم، وهكذا تصبح هذه الرؤية المنامية نوعاً من التشريع، وهي بدورها ملزمة لجمهور المسيحية، حيث كان عليهم تصديقها والسير وراءها، وبدأ التحضير مجدداً لغزو أرض فلسطين، والتي مرت عليها كل إمبراطوريات العالم القديم مروراً، ولكنها لم تفتح أحضانها إلا للمسلمين الذين لم يسكبوا دماً إلاّ لمنع نزيف الدم ذاته، وكانت للقدس دلالة مهمة في شرعهم منذ البدء، وكان لها احترام ومكانة خاصة بوصفها مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم ومعراجه.
التحريض للاغتصاب: