كان البابا يعمل على إحاطة فكرة اغتصاب فلسطين ومقاتلة المسلمين بهالة من القداسة، حيث كان الرهبان لا يفتؤون يكذبون ويخترعون القصص التي شاهدوها أثناء النوم، والتي تؤكد لهم أن السير في الحملة هي إرادة ربانية وليست إرادة بشرية، ووصل الأمر إلى الادعاء بظهور المسيح - عليه السلام - ومريم والقديسين، وغير ذلك من الدلالات السماوية التي تنبئ بمعركة الصليبيين المقبلة ضد المسلمين، وبمتابعة ما كتبه المؤرخ الألماني «إيكهارد» وهو راهب وصاحب كنيسة، حيث كتب في مطلع القرن الثاني عشر في معرض حديثه عن المعجزات في عام 1096، فادعى من بينها مشاهدة فارسين يتقاتلان في السماء أحدهما يحمل الصليب وهو الذي ينتصر، وأما أغرب ما كان في ذلك فهو الادعاء بسقوط شهادات من السماء مكتوبة بخط الرب، ويعلن فيها الرب عن عزمه في حماية الفرسان المتجهين نحو القدس، وكان «إيكهارد» بدوره قد ادعى أنه أمسك إحدى هذه الأوراق بيديه، ثم ظهر بطرس الناسك والذي أخذ يعرض إحدى الرسائل المكتوبة ويدعي أنه تلقاها من الرب، وطالبه فيها بتحرير القدس، وكان يدعي أيضاً أن الرب الخالق ظهر له بذاته في المنام، وأمره بهذا الفعل.
وأما أوربان فكان قد سبقهم في ذلك عندما تحدث في «كليرمون» قائلاً:".. هكذا أمر يسوع المسيح"، ثم هتف الرهبان من ورائه إنها إرادة الرب.
نبوءات مستمرة:
ما ميز تلك الحقبة من التحضير للحرب هو ظهور عدد كبير من أصحاب الرؤى والمتنبئين من بين الرهبان، والذين عملوا على تغيير وعي الناس وصرفهم نحو أمور هم يريدونها، ما جعل الحملة تأخذ في مختلف مراحلها تصعيداً دينياً خطيراً، واستعداءً كبيراً للمسلمين، والذين ذُبحوا في مختلف أماكن الغزو بشكل بشع، فالمسلمون سبق وأن خاضوا معارك كثيرة مع الرومان وغيرهم ممن حملوا المعتقدات المسيحية، وذلك خلال أربعمائة سنة مضت لاعتبارات عديدة، إلاّ أن الوحشية التي جاء بها أوربان وبطرس الناسك لم يعرف لها التاريخ مثيلاً، إذ استباح الرهبان أكل لحوم الأطفال المسلمين، وحرقهم أحياء، واستباحة كل ما هو لهم، وعندما كانت تصل الأخبار إلى البابا كان يمنح الغفران على مرتكبي تلك الجرائم، مما جعل ذلك الشذوذ عن الفطرة الإنسانية أمراً يجد قبولاً على الدوام.
وحيث كانت الحرب تسير كانت النبوءات، ففي معركة إنطاكية وعندما بدأت عمليات الفرار نتيجة ضغط المسلمين الشديد على المدينة؛ كان على الصليبيين إعادة اكتشاف قصة النبوءات من أجل درء الخيبة، ومحاولة استجماع قوى العسكر من جديد، بعدما دخل اليأس إلى نفوسهم، فظهرت قصة الحربة المقدسة، وهي أكذوبة نسجها الأمراء مع أحد الصليبيين الذي دفن قطعة حديدية قديمة، وادعى أن رسولاً جاء إليه في المنام يبلغه بأنها ذات الحربة التي «قُتل» فيها المسيح - عليه السلام -، وأن العثور على هذه الحربة هو مبشر بالنصر، وأدى ذلك إلى حالة الهيجان والاندفاع الجنوني في مواجهة المسلمين، واستمرت الخزعبلات التي يرويها الرهبان المعتوهين، حيث وجدوا من خلالها وسيلة مناسبة للاستمرار في سوق جماهير العامة، ولكن عندما وصل الصليبيون إلى القدس لم ينزل المسيح المنتظر، ونسي الرهبان قصة نزوله لتصبح هذه الرؤية وهذه القصة متاحة في أوقات أخرى، يبدأ فيه الاستحضار لهذه المشاهد الدينية يجد من يستمع إليه.
المسيح من جديد:
عندما أطلت البروتستانتية في أوروبا، ووجد زعيمهاً دعماً من العقل اليهودي متعدد الأوجه، اكتشف بدوره عودة جديدة للمسيح في أرض فلسطين، وصولاً إلى إعلان البروتستانت لفكرة «العودة المزعومة لليهود إلى أرض فلسطين» ، وهذا الأمر لم يكن من اختراع البروتستانتية لوحدها من خلال تفسيراته الخاصة للإنجيل، إضافة إلى التوراة، والتي أدخلها البروتستانت إلى العقل الأوروبي، وإنما أصل الفكرة تسللت من العقل اليهودي الخبيث، والذي وجد الفرصة مناسبة في ألمانيا، حيث كانت الصراعات على أشدها، وكان الكثير من الملوك والأمراء قد ملّوا سطوة البابا وجشعه، فجاء احتضان البروتستانتية كعامل مساعد في مواجهة البابا، وهنا دخل العبث اليهودي، وأدى إلى اللعب بالعقل الأوروبي، فتحول اليهود من قتلة للمسيح وفق معتقد الكنائس طوال القرون الماضية إلى «شعب الله المختار» الذي تجب مساعدته في العودة إلى فلسطين.
إن نظرة على واقع الحال تلك تكشف أن العقل البروتستانتي عندما كرس تلك المقولات إنما كان يعمل بدسائس من اليهود، والذين لم يكونوا ينتظرون هجرة نحو فلسطين كما هو بادٍ لاستحالة تمكنهم من إحداث كيان لهم بين المسلمين، بل إن الفكرة كلها لم تكن تصل إلى إقامة دولة يهودية، ولكن كره اليهود وحقدهم على الإسلام هو ما كان وراء ذلك، فبعد أن فشلت الكنيسة الكاثوليكية في حربها على الإسلام، وبعد أن توجه الأوروبيون نحو الاكتشافات بعيداً عن الجغرافيا العربية، كانت فكرة اليهود إعادة إحياء مقاتلة الإسلام، وبالتالي برزت البروتستانتية لتعلن نفسها وصية على اليهود في تحقيق ذلك.
المسيح الذي لم ينزل: