فهرس الكتاب

الصفحة 18333 من 27364

بقلم: عبد الرحمن حسن حبنكة الميدانى من كتابه كواشف زيوف

يقصد بالمغالطة اصطناع مقدمات مزيفة مزخرفة توهم بصحتها ، فتسوق فِكرَ من يُراد إقناعه بالباطل من حيث لا يشعر ، حتى تُوقعه في الغلط ، وهو يحسب أنه على صواب ، فيقبل الباطل الذي يساق إلى الاقتناع به ، ويظنه حقاً ، فيعتقد صوابه ، ويؤمن به ، ثمّ يدافع عنه ويبشر به .

وللمغالطات الجدلية أصول كثيرة أهمها الأصول التالية:

الأصل الأول

تعميم أمرٍ خاص: والمغالطة بالتعميم الباطل تنسب إلى بعض أفراد العام ما ليس له من أحكام بغية التضليل .

ويستطيع المضللون التأثير على جماهير الناس بهذه المغالطة ، لأن من طبيعة هذه الجماهير أن تصدّر أحكاماً تعميمية ، وأن تقبل أحكاماً تعميمية ، متى شاهدت أمثلة مطبقة على بعض أفراد العام ، وذلك في نظراتهم السريعة السطحية غير العلمية ، وهي النظرات التي ليس فيها أناة ، ولا عمق ، ولا بصيرة ، ولا تتبُّعٌ واستقصاء ، ولا منهجية برهانية .

فإذا رأوا عدداً من اللصوص ينتمون إلى قبيلة ، حكموا على أفراد القبيلة بأنهم لصوص ، كما لو رأوا حيواناً يفترس الأنعام ، إذ يحكمون على كل أفراد نوع هذا الحيوان بأنها تفترس بطبيعتها الأنعام ، ويغفلون عن نقطة مهمة وهي أنه لا يصح قياس الناس الذين يتحركون بإرادتهم على البهائم التي تتحرك بطباعها .

ويستغل المضللون هذه الطبيعة السطحية ، عند الجماهير التي لا تملك منهجية علمية في نظراتها إلى الأمور ، فيضللونهم بأحكام تعميمية باطلة .

ويكون التعميم الباطل بوجهين:

الوجه الأول: أن يكون للفظ العام تطبيقات جزئية مقبولة ومعقولة ، وفيها حق وخير ، وهي تقع ضمن دوائر وحدود خاصة .

والناس يطلقونه دون بيان حدوده الخاصة ، فهو يتردد على الألسن دون قيود .

ويستغل المفسدون المضللون هذا اللفظ بإطلاقه ، ويعطونه مداً تعميمياً ، ليكون له في نفوس الجماهير صدى عام ، يشمل مساحات لا يصح أن يشملها ، فإذا طبق على هذه المساحات الواقعة وراء الحدود المعقولة المقبولة ، كان تطبيقه باطلاً ، ونجم عنه شر وفساد .

مثل ألفاظ:"الحرية - المساواة - التقدم - الواقعية - المثالية - الرجعية - الوطنية - القومية"إلى غير ذلك من ألفاظ مطلقة .

الوجه الثاني: أن تقدم الملاحظة أو التجربة العلمية أمثلة محدودة ، جرت في أفراد العام ، كنوع أو جنس ، وهذه الأمثلة ، لا يصح بناء قاعدة كلية عامة عليها في المنهج العملي السليم .

لكن المضلين يوهمون بأن هذه الأمثلة المحدودة ، التي جرت في أفراد معدودة ، كافية لإعلان قاعدة كلية عامة ، أو قانون شامل لكل أفراد النوع أو الجنس .

ويقبل السطحيون ذلك ، لأن نزعة التعميم وتصدير الأحكام الكلية الشاملة ، أقرب إلى نفوسهم من البحث التفصيلي المتقصي ، الذي لا يسمح بإصدار أحكام تعميمية إلا بعد استقراء شامل أو ما هو قريب منه .

والمغالطة التعميمية ، أخطر مغالطة فكرية تقتات بها وتعيش عليها المذاهب الفكرية المعاصرة ، والاتجاهات المنحرفة في مختلف الميادين والمعارف التي اختلط فيها الحق بالباطل .

والتعميم في الحكم يكون في جانب الإيجاب ، ويكون في جانب السلب ، فالمعمم تعميما ًخائطاً قد يقبل المذهب كلَّه لأن بعضه حق ، وقد يرفض المذهب كله لأن بعضه باطل .

ومن التعميم الفاسد في جانب الإيجاب ، الحكم على كل مُعطيات الحضارة الغربية بالصحة ن قياساً على ما صح منها في معطيات العلوم البحتة , وعلى ما ظهر منها في المنجزات التطبيقية المادية . مع أن هذا التعميم المستند إلى هذا القياس ، تعميمٌ فاسد ، لأن القياس الذي هو دليله قياس غير صحيح ، ومبعث قبوله عند الجماهير جهلهم بأسس اكتساب المعرفة ، وثقتهم العمياء القائمة على غير أساس منطقي سليم .

إنه ليس من الضروري أن يكون من يستطيع التغلب على المصارعين في المصارعة ، ذا قدرة على التفوق على الشعراء في الشعر ، أو الأدباء في الأدب ، أو علماء الحساب والهندسة في علومهم .

كذلك ليس من الضروري ، ولا من اللازم العادي ، أن يكون المتفوق في العلوم الصناعية قد وصل إلى الحق في قضايا الأخلاق ، أو في قضايا فلسفة الوجود ، والبحثِ عما وراء الظواهر المادية ، فضلاً عن قضايا الدين ذات المصادر الربانية .

ومن التعميم الفاسد في جانب السلب رفض كل دين ، لأن بعض ما يطلق عليه اسم دين هو باطل .

وعلى هذا التعميم الفاسد اعتمد دعاة الإلحاد في محاربة الإسلام .

والمنهج الفكري الذي يجب اتباعه ، هو أن الجزم بالتعميم لا يكون إلا نتيجة استقراء تام لكل الوحدات الجزئية ، التي تدخل في العموم ، فإذا اتحد الحكم في كل الوحدات أمكن عندئذٍ إصدار حكم كلي عام عليها جميعاً .

وإلا ، فإن كان الأغلب يحمل هذا الحكم أمكن إصدار حكمٍ أغلبي ، لا حكم شامل .

وإن كان دون ذلك فالحكم يجب أن يكون بحسب الواقع .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت