فهرس الكتاب
عبد الرحمن أبو عوف / القاهرة 13/4/1426
حالة من الغليان ، تعيشها جمهوريات الاتحاد السوفيتي (سابقا) ؛ نتيجة الميراث الشيوعي،الذي خلَّف بدوره حالة من القهر والاضطهاد، وقد انتقلت هذه التركة من أوكرانيا إلى جورجيا إلى قيرقزستان، وهانحن نرى -اليوم- إرهاصاتها في أوزبكستان..فلم يستفد الرئيس الأوزبكي إسلام كريموف من عضويته في الحزب الشيوعي السوفيتي، شيئاً يفيد به أوزبكستان، غير إجادته لما فعله ستالين من قهر وتعذيب وقتل وتصفية جسدية لمسلمي آسيا الوسطى الإسلامية وتكرار ما تعلمه طوال ثلاثين عاماً، قضاها في أحضان الشيوعية.
فمنذ وصول كريموف لسدة السلطة في أوزبكستان عام 1991، والشعب الأوزبكي يلاقي على يديه، صنوفاً من الاستبداد و القهر والمذابح، والتي كان آخرها ما حدث في أنديجان شرق البلاد، حيث تعاملت قواته بمنتهى القسوة والعنف مع الشعب الغاضب على استمرار فساد ودكتاتورية النظام الستاليني!!
خلَّف هذا التعامل أكثر من 700 قتيل و 2000 مصاب وحوالي 8 آلاف مشرد، نزحوا إلى مناطق الحدود مع قيرقيزيا المجاورة -لسان حالهم يناشد العالم إنقاذهم من براثن حكم كريموف الاستبدادي ، ويعيش نظام كريموف حالة من الرعب والفزع ، منذ قيام الثورة البرتقالية في أوكرانيا وثورة جورجيا،التي أنهت حكم شفرنادزة وثورة قيرقزستان، التي أطاحت بنظام أكاييف، وهو ما ظهر أكثر من مرة -في تصريحات كريموف- الذي أوضح أنه لن يقع في خطأ الرئيس القيرقيزي المخلوع!! الذي سمح بنمو المعارضة، وتزايد خطورتها للدرجة التي تهدد بنيان النظام، مشدداً على أنه لن يسمح لحفنةٍ من المجرمين،"يقصد المعارضين"بالتلاعب بالاستقرار المزعوم في أوزبكستان .
حالة الرعب التي يعانيها كريموف.. أصابت نظامه بحالة من الارتباك والهلع، مما جعله يوسع من حملات الاعتقال العشوائية، حيث تجاوزعدد المعتقلين، 10 آلاف معتقل، يمارس ضدهم أبشع أنواع التعذيب التي أدينت من قبلِ العديد من الجهات الدولية المهتمة بحقوق الإنسان.
فساد ودكتاتورية
ربما كانت حملة الاعتقالات الأخيرة، التي طالت النشطاء الإسلاميين في معظم أراضي أوزبكستان، أهم أسباب هذه الاحتجاجات العنيفة، خصوصاً أن المحتجين بدأوا باقتحام أحد السجون والإفراج عن 2000معتقل من ذويهم منذ سنوات.
ولم يكتف المحتجون بالإفراج عن السجناء، بل رددوا شعاراتٍ، تدين الفساد والبطالة والفقر والدكتاتورية المستشرية في البلاد، منذ وصول كريموف إلى السلطة، وهذا ما يكذِّب ادعاءات نظامه من أن بعض المجرمين والمتحالفين مع العناصر الإرهابية، يقفون خلف هذه الأحداث، والحقيقة أن هذه الاحتجاجات، جاءت بشكل تلقائي، ولم يكن مرتباً لها بل كان الدافع لها، الجحيم الذي يعيش فيه الشعب الأوزبكي على يد النظام الشيوعي.
فالتعذيب صار أمراً منهجياً في سجون هذا النظام الذي يحكم البلاد بالحديد والنار- من أوائل التسعينات في القرن الماضي- وأوصلت سياسته البلاد إلى كارثة اقتصادية، رغم الثروات التي تتمتع بها أوزبسكتان .
حالة احتضار!
ولعل أحداث أنديجان الأخيرة، وتصاعد الاحتجاجات على نظام كريموف كان لها أكثر من مدلول .
الأول: أن نظام كريموف، بدأ يحتضر، خاصة وأن علامات الانهيار للنظام بدت واضحة بقوة -في الأيام الأخيرة- خصوصاً إذا وضعنا في اعتبارنا محاولة بعض رموز النظام الهروب من البلاد وإلقاء السلطات القبض عليهم على الحدود مع قيرقيزيا وطاجيكستان .. فالنظام رغم جبروته على الشعب إلا أنه يحس أن أحداث أنديجان ، تعد مؤشراً على بدء حملة شعبية للإطاحة به.
والثاني: أن محاولة كريموف إلصاق التهمة بمعارضيه الإسلاميين؛ لتحريك الأحداث بالتعاون مع عناصر من حركة طالبان في أفغانستان المجاورة، ما هي إلا محاولة لحشد الدعم الدولي له - خصوصاً من واشنطن وموسكو- والظهور بمظهر من يعاني نظامه من تهديد التنظيمات الإرهابية ،وهو ما يؤمن له المبررات لاستخدام الوحشية مع معارضيه، دون أن يخشى موقفاً دولياً معارضاً لهذه الانتهاكات، التي لم يسبق للشعب في أوزبكستان أن عانى منها منذ هلاك ستالين عام 1953 .
أما المدلول الثالث: فيكشف أن الثورة الشعبية في أنديجان ما هي إلا انعكاس لثورة الشعوب في دول ما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي السابق، التي بدأت في أوكرانيا، ولن تنتهي مع سقوط أكاييف في قيرقيزيا، بل ستكون لها امتدادات في دول مثل أوزبكستان وتركمانستان وطاجيكستان وروسيا البيضاء .
صحيح أن هذه الثورة لن تستطيع إسقاط نظام كريموف بسبب قسوته وقوة أجهزة أمنه واستخباراته، إلا أنها أكدت أن أيام كريموف ونظامه الفاسد - حسب تقارير منظمة الشفافية الدولية- ، أصبحت محدودة ، وأنه مهما كانت المعارضة له تفتقد الدعم الدولي، إلا أنها دقت المسمار الأخير في نعش نظامه.