ياسر الزعاترة / عمان 6/6/1426
بعد زيارته الاحتفالية لتل أبيب قبل أسابيع، رحل رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إلى واشنطن، وهما رحلتان لم تأتيا عبثاً، فقد وصلت رسائل الشريك الأمريكي سريعاً لزعيم العدالة والتنمية، ونموذج الإسلام المعتدل، بحسب المصادر الأمريكية، وبحسب توصيف العلمانيين العرب الذين طالما عيّروا الإسلاميين في بلادنا بالنموذج التركي متجاهلين الفروق الجوهرية بين الحالتين، ومتجاهلين أن أياً من الأنظمة العربية لا يمكنه أن يستوعب مجرد التفكير في حصول حزب إسلامي على معظم مقاعد البرلمان لمجرد حصوله على 33% من أصوات الناخبين.
نعم، وصلت الرسائل، بل لعلها وصلت بوسائل فيها الكثير من التهديد، وبالطبع من خلال العسكر الأتراك، ومن خلال الفريق العلماني المتطرف التابع لهم، أكان في قصر الرئاسة، أم في المؤسسة الأمنية والقضائية، فقد خرج هؤلاء جميعاً في صعيد واحد، كل بطريقته، يذكّرون أردوغان بأنهم لا يزالون هنا، وأنهم يراقبون بكل توتر خطواته الرامية لإحداث نقلة في التعاطي التركي الداخلي مع المسألة الإسلامية، وهي هنا حرية التدين بكل بساطة، وليس إقامة الدولة الإسلامية بحسب التعبيرات الإسلامية الحركية في المشرق العربي!!
كان الغضب الأمريكي قد تراكم بسبب جملة الموقف التركية التي سبقت غزو العراق وتلته، إلى جانب العلاقات الباردة مع تل أبيب، مقابل العلاقات التي بدت مميزة مع الجارة سوريا، مع أنها لم تنطو على اتفاقات استثنائية يمكنها أن إثارة مخاوف هذا الطرف أو ذاك، فيما يُشار هنا إلى أن العلاقة المصنفة باردة مع تل أبيب لم تغيّر كثيراً في الاتفاقات الأمنية والعسكرية، بل ولا حتى العلاقة الاقتصادية؛ إذ سجل التبادل التجاري بين البلدين ارتفاعا من (1.2) مليار دولار في العام 2003 إلى ملياري دولا ر في العام 2004.
في تل أبيب حاول أردوغان أن يحقق تقارباً مميزاً مع مضيفه (المجرم شارون) الذي كان قد انتقده غير مرة في سياق اغتيال القادة الفلسطينيين، وقد سجّل زعيم العدالة والتنمية نجاحاً معقولاً على رغم بعض الإشارات السياسية التي كان لا بد منها تبعاً لحساسيات الشارع التركي مثل رفضه ارتداء القبعة اليهودية، أو الدخول إلى فناء الحرم القدسي بالسيارة التي ترفع العلم الإسرائيلي، وهي خطوات لم تقلل كثيراً من التأثيرات السلبية للزيارة في وعي الشارع التركي، وتحديداً النواة الصلبة لمؤيدي العدالة والتنمية من الإسلاميين والمتدينين.
قبل رحلته إلى تل أبيب كان أردوغان قد حاول استرضاء واشنطن بصفقة صيانة لطائرات إف-16 تقدر قيمتها بمليار ومائة مليون دولار، إلى جانب تمديد اتفاقية الاستخدام الأمريكي لقاعدة إنجيرلك الجوية التركية، لكنه كان يعلم أن ذلك كله لن يكون كافياً لإعادة العلاقة مع واشنطن إلى سابق عهدها.
في هذا السياق جاءت الزيارة الأخيرة لأردوغان، وهي زيارة لا تقول المؤشرات إنها كانت ناجحة، بقدر ما يمكن القول إنها ستمنح أردوغان فرصة أخرى لإثبات أهليّته لعلاقة مميزة مع واشنطن. وفيما لم ترشح معلومات بشأن المطالب الأمريكية الحيوية من أردوغان فيما يخص الساحة العراقية والمساعدة في دعم الجهود الأمريكية للخروج من المأزق، إلا أن في حديث بوش وأردوغان عن دعم تركيا لمشروع الشرق الأوسط الكبير ما يكفي للدلالة على القادم من السياسات، ذلك أن العراق هو المحطة الأولى في المشروع، ولا بد أن تنجح حتى ينسحب النجاح على المحطات الأخرى.
أما الموقف من سوريا فقد كان لافتاً للنظر، إذ أصر بوش على عزلها ورفض أي تقارب تركي معها. ويبقى الموقف على الصعيد الداخلي، وحيث طولب أردوغان بالعمل على مواجهة مشاعر العداء للولايات المتحدة في الشارع التركي، كأن بوسعه أن يخترع دواء يوزع في أقراص على الأتراك يؤدي إلى تخلصهم من مشاعر العداء تلك!!
خلاصة القول هي أن اللقاء لم يحقق المطلوب، لاسيما فيما يتعلق بالمطالب التركية الخاصة بقبرص، ومعها التعامل مع حزب العمال الكردستاني، فيما سيكون على أردوغان أن يقدم المزيد من المواقف التي يمكن أن تمنحه الرضا، وبخاصة دعم مشروع"الشرق الأوسط الكبير"الذي يعلم أردوغان روحيته الإسرائيلية. وفي حال لم يحدث ذلك ستقوم الأطراف المتربصة به وبتجربته داخل تركيا بترتيب حساباتها على أمل دفعه نحو الإخفاق والسقوط، إن لم يكن بطلب من واشنطن، فاستغلالاً للفرصة السانحة.
والحال أن ما يمنح أردوغان بعض القوة في مواجهة الإملاءات الأمريكية، ومعها الضغوط الداخلية من طرف العسكر وحلفائهم، إنما هي قوته الشعبية الناجمة بشكل أساسي عن نجاحاته الاقتصادية، في حين لا يزال الشارع التركي، وبخاصة المتدين منه، في انتظار بعض التقدّم فيما يتعلق بملف الحرية الدينية، وبخاصة مسألة الحجاب.