فهرس الكتاب

الصفحة 17325 من 27364

مجلة البيان - (ج 104 / ص 76)

بقلم: عبد الله بن إبراهيم المسفر

بعد هزيمة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى عانى المسلمون البلغار من الاضطهاد، وزاد الطين بلة وصول الشيوعيين إلى الحكم بعد الحرب العالمية الثانية عام 1944م.

والمسلمون في بلغاريا: من الترك، ومن البلغار الذين أسلموا ـ ويعرفون بـ (البوماك) ـ، ومن الغجر (البدو الرحل) .

ويغلب على المسلمين الفقر والتخلف والحرمان، ويمنعون من الهجرة إلى الخارج، مضايقة واضطهاداً لهم.

وقد حاولت بلغاريا ـ قبل أن تصبح شيوعية ـ تنصير المسلمين، إلا أن مقاومة هؤلاء أفشلت مخططاتهم، وقد سقط تحت سياط هؤلاء البلغار النصارى الألوف.

ثم زاد الاضطهاد والتضييق عند اجتياح الشيوعية البلاد، حتى منعت السلطات الشيوعية الحاكمة المسلمين من تأدية الحج. والمسلمون ليس لهم مدارس خاصة بهم، كما كانت بلغاريا تضم أكثر من 1200 مسجد، وقد أجبرت السلطات المسلمين على الدفن بمقابر واحدة مع سائر السكان، وحظرت النحر يوم عيد الأضحى، وأجبرت النساء على السفور، وفي الآونة الأخيرة: أجبرت السلطات الحاكمة المسلمين على إسقاط التمايز القومي والديني، وألزمتهم بتغيير أسمائهم بالقوة إلى أسماء نصرانية أو بلغارية، وقد أثار هذا الأمر المسلمين البلغار، فعارضوا؛ فوقعت مجازر، وهرب بعضهم إلى تركيا التي احتجت رسميّاً، ووجه رئيسها خطاب تذمر إلى رئيس بلغاريا، وقال رئيس حكومة تركيا على منبر الأمم المتحدة في 1985م: (إن حقوق هذه الأقلية المسلمة تنتهك، فأين هي حرية الفكر والدين وحقها في الحفاظ على شخصيتها؟) ، وقد تجاوز عدد المهاجرين إلى تركيا أكثر من ثلاثمئة ألف، نزحوا عن بلغاريا في عام 1989م، ومتحف صوفيا في العاصمة أصله مسجد هدمت مئذنته، ولا يوجد فيها اليوم إلا مسجد واحد!!.

ولعل أبرز أحداث بلغاريا: التطورات التي جرت أواخر عام 1989م وبداية عام 1990م، حيث جرت تغييرات مهمة على صعيد الحزب والحكومة، وأُبعد المسؤولون القدامى، وأُتيحت حريات التعبير والحريات الشخصية الأخرى، ووقع في 12/1/1990م اتفاق بين الحكومة والمعارضة وممثلين عن المسلمين، جرى فيه إقرار حريات المسلمين الدينية والثقافية، وأعيدت إليهم حرية اختيار الأسماء الإسلامية شريطة ألا يقيموا أو يطالبوا بحكم ذاتي!!، الأمر الذي يعتبر تقدماً في الواقع المرير الذي فرضه الحزب الشيوعي السابق (1) .

إلا أن المسلمين هناك ما زالوا يعانون الأمرين في واقعهم وفي الضغط على رموزهم (العلماء المختارين بترشيح منهم) ومن ذلك: الحكم مؤخراً على أحد العلماء بالسجن لعدة سنوات لمجرد أنه رشح خلافاً لما تراه الحكومة، التي تريد شخصاً مشبوهاً بعينه، كما سنرى.

واقع المسلمين الآن:

بعض المغرضين لخص الوضع الذي تمر به الدولة الآن وما حل بقطاعاتها نتيجة إخفاقات الحكومة الاشتراكية بأنه (ذنب المسلمين) ، فما المقصود من هذا؟.

في الواقع: فإن الحكومة الاشتراكية ـ بذكاء أو غباء، وهذا ما ستسفر عنه الأيام ـ بدأت حياتها الدستورية أو الحكمية بالاصطدام مع المسلمين في أعز وأهم المواقع، وهو دار الإفتاء العام...

إذ بتصرف مبيّت قام نائب رئيس الوزراء (شيفاروف) ـ وبمخالفة صريحة للدستور ـ بالتصديق على إعادة تعيين (نديم غينتشيف) المفتي السابق، وعلى هذا الأساس: صادق أيضاً عليه (خ.منتانوف) رئيس دائرة الأديان، ليجد بذلك (نديم غينتشيف) فرصة سانحة ليداهم دار الإفتاء ويطرد منها المفتي المرشح من المسلمين (فكري صالح حسن) والعاملين معه، فيما لم يلق المفتي (فكري صالح) أي اهتمام من قبل رئيس دائرة الأديان، على الرغم من مصادقته السابقة من جانب ثلاث حكومات متعاقبة على اعتباره مفتياً عامّاً رسميّاً للمسلمين، هذه كانت البداية غير الموفقة ـ على حد قول بعض المراقبين ـ للحكومة الاشتراكية.

لكنّ آخرين يرون أنها حركة ذكية تحقق من ورائها عدة أهداف:

1-إشغال المسلمين فيما بينهم، وتحويل أنظارهم عما يعد لهم خلف الكواليس.

2-شل حركة دار الإفتاء عن القيام بأي عمل فعال لصالح المسلمين خلال فترة حكمها.

3-عزل دار الإفتاء عن المعركة السياسية، وخطف ورقة قوية من يد حركة الحقوق والحريات كانت تعتمد عليها بين وقت آخر.

4-استغلال دار الإفتاء في تنفيذ ما لا تستطيع تنفيذه أو تحقيقه، بحجة قانونيتها، وابتعاداً عن الواجهة.

حال المسلمين في ظل المفتي المعين:

وكان من نتيجة ذلك: أن باب الفتنة أعيد كسره وأصبح مفتوحاً على مصراعيه؛ فلا (غينتشيف) يستطيع تثبيت أركانه بين المسلمين، لعدم الرغبة فيه، رغم مساعدة الشرطة ومدعي عموم المناطق في تثبيت أعوانه في دور الإفتاء هناك، ولا (فكري صالح) ومن معه يستطيعون عمل شيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت