فهرس الكتاب

الصفحة 23031 من 27364

سليمان بن صالح الخراشي

أكتب لك بعد مائة سنة من رحيلك عن الحياة، حينما رأيت وجهك على غلاف مجلة صدرت عام (1928م) ، وتحتها مكتوب أنهم أقاموا احتفالاً بمرور عشرين عاماً على وفاتك.

لقد علمتُ من كاتبة المقال (هدى شعراوي) أنك عشت ثلاثاً وأربعين سنة -فقط-، كان هذا الرقم سبباً لكي يقشعرَّ جلدي، لقد أهلكت شبابك حتى اللحظة الأخيرة في محاربة الحجاب، وتزيين السفور، والدعوة للاختلاط بين النساء المسلمات، لكن قطع الموتُ عليك الطريق، فلم تستمتع ولم تذق من اللذات والشهوات ما يكفي، فصرت أول من دعا لإفساد المرأة المسلمة، وأنت أقلُ من استمتع بها، وجاء بعدك زمان صار (الإنسان العفيف) يرى من الأجساد العارية، ويسمع من الأصوات الماجنة، ما لم تره أنت في عصرك أو تسمعه، وإن عدد ما استمتعت به من رؤية النساء أقلُّ مما يراه المتعففون الآن؛ لفساد الحال، وأبشِّرك بالذي يسوؤك في قبرك، ويخلع القلب رهبة، أن آراءك تبعها أناس حملوا لواء الإفساد في أمة صلى الله عليه وسلم ، وجعلوا من كتبك ومن سيرتك قدوة لهم، فأنت مثلهم الأعلى في التمرد على شرع الله -عز وجل-.

لقد شاعت الفاحشة في الذين آمنوا بسببك، فبعد موتك بسنين انتشر الخنا، وأبيح الزنا، وشاع الفساد، واستمتع الناس ببعضهم في الحرام، فهل ذقت من الشهوات ما ذاقوه؟! بل لعلك الآن تلاقي في قبرك أوزاراً مع أوزارك، ولا تدري من أين أتاك كل هذا؟، ولعلك الآن تُحاسب عن لذاتٍ لم تذقها، فغيرك ذاق واستمتع أضعاف ما ذقته، وأنت تحاسب عن جميع ما أجرموه بسببك.

قالت عنك (هدى شعراوي) إنك رحلت للدراسة في أوروبا بعدما أكملت من عمرك عشرين سنة، وحين أنهيت الدراسة في بلاد النصارى، جئت فخوراً بشهادة التخرج بين يديك، ولكنك أيضاً جئت وبين جوانحك عزماً أكيداً على أن تصنع من بلادنا، ومن أهلنا، ونسائنا ، أنموذجاً أوروبياً، فهل كان هذا هو أقصى أمانيك؟! بئست الأماني وقبحها الله من أهداف!!، ألم يؤلمك ما في أوروبا من سبِّ لله -سبحانه وتعالى-؟!؛ حيث كنت ترى الصليب منتصباً في كل مكان يهتف بأن لله ولداً، وأنه ثالث ثلاثة؟! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً؛ ألم يحترق قلبك؛ لأن الملايين من الناس يسجدون لغير الله، ويعبدون سواه بالليل والنهار؟!، تركت هذا كله ونظرت -فقط- لواقع نسائهم واختلاطهم.

وحين زيَّنه الشيطان لك، وأعجبك جئت لتنقله إلينا؛ كما فعل عمرو بن لحيِّ الخزاعي حين أُعجب بالأصنام، ونقلها إلى مكة؟!، وأنت صنعت مثله، فنقلت أصنام الكفر والفكر إلى بلد المسلمين.

كنتَ تستدل على قضيتك ومطالبتك بأدلة من الكتاب والسنة، فعن أي دين كنت تتحدث؟، وفي أي مكان تعلَّمت ذلك الدين؟!، هل أتيتنا تحدثنا عن إسلام لا نعرفه، وجلبته لنا من أوروبا بعدما تعلمته هناك؟! يؤسفني أن أوروبا جاءتنا بعد موتك بست سنوات فقط عام (1914م) معلنة علينا الحرب العالمية الأولى؛ جاءت بخيولها، ودبَّاباتها، وجيوشها، بعد أن أرسلت أفكارها، ومفاهيمها، وتصوراتها قبل ذلك ، معك ومع أمثالك، فمزَّقت دولتنا، وسلبت خيراتنا، وذبَّحت أبناءنا، وهتكت أعراضنا، وسامتنا سوء العذاب، وهؤلاء هم الذين أعجبوك، وانبهرت بهم، وطالبتنا أن نجعل منهم قدوةً لنا.

لقد أكمل اليهود مسيرتك في إفساد المرأة، وتحبيب السفور والاختلاط لها، ومحاربة حجابها الشرعي؛ فالبداية المخادعة جاءت من كتبك، والخاتمة انفضحت على أيدي أناس لعنهم الله، وغضب عليهم؛ حيث جاء سفاح منهم وهو (مصطفى كمال أتاتورك) ؛ ليقتل (خلافة المصطفى صلى الله عليه وسلم ) بعد موتك بستة عشر عاماً فقط عام (1924م) ، فأسقط الخلافة الإسلامية، وألغى الشريعة، وأمر بخلع الحجاب، وطاف أنحاء تركيا مع زوجته سافرةً، وهذا بالضبط ما كنت تنادي به وتتقطع حسرات على نشره، حقاً لقد أشعرت اليهود (بنشوة الانتصار) وسكرة الفوز، حينما أرسلوك جندياً لهم في بلادنا، فصار إرسال أبنائنا للتعلُّم من أوروبا واقعاً ملموساً حتى وقت رسالتي هذه إليك.

أطالع ملامحك الكردية، وأتذكر القائد الإسلامي الكردي (صلاح الدين الأيوبي) ؛ الذي حرر فلسطين من أيدي الصليبيين، وأنت تجرُّ المرأة المسلمة؛ لتكون أسيرةً في أيدي الصليبيين، ويراودني سؤال لك ولكن الزمان لا يعود، فلا أدري هل كنت مغفلاً مخدوعاً، واستعملوك لأهدافهم، فرجعت إلينا لتقوم بأداء الدور بسذاجة؟!، أم أنك كنت تعقل وتدرك أنك تقوم بإفساد أمةٍ سعى إلى صلاحها صلى الله عليه وسلم ، فقدَّم روحه، وماله، ووقته، وكل ما يملك؛ من أجل أن يصلح الناس ويهتدوا، فجئت بعده بأكثر من ألف سنة لتفسد ما أصلحه، والله -سبحانه وتعالى- يقول: ( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها...) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت