فهرس الكتاب

الصفحة 5001 من 27364

رغم انتماء تركيا في العصر الحاضر إلى منظومة دول العالم الثالث إلا أنها شذت عنها أمور كثيرة ومنها الإعلام، فالإعلام في تركيا حر بكل معنى الكلمة ولا يحتاج الأمر ترخيصًا من وزارة إعلام أو إدارة مطبوعات لإصدار دورية (جريدة أو مجلة) أو إنشاء قناة إذاعية أو تلفزيونية هذا الانفتاح الإعلامي والذي لا يتجاوز عمره عشر سنوات أثمر العشرات من الصحف اليومية ومئات المجلات الدورية أما في جانب الإعلام المرئي والمسموع فيوجد الآن 1500 إذاعة ومعظمها محلي على نطاق موجه (إف. إم) وقليل جدًا منها إقليمي يغطي منطقة معينة، وبالنسبة للتلفاز فهناك 300 قناة تلفزيونية منها ثلاثون قناة فضائية تغطي كافة الأراضي التركية من خلال القمر الصناعي ترك سات إضافة إلى أجزاء من آسيا وأوروبا، أما الباقي فهي قنوات محلية البث في نطاق المدينة أو المنطقة.

هذا الانتشار الواسع لوسائل الإعلام في تركيا وبتنوع لا مثيل له في البلدان النامية بل حتى البلدان الأوربية والذي أشبه ما يكون بالإعلام الأمريكي من حيث التعدد والانتشار مع فارق وحيد أن اللغة التركية محصورة في مناطق محدودة من العالم وليست لغة دولية كالإنجليزية.

هذا التنوع في أدوات الإعلام، مع الكثرة الفاحشة جعل للإعلام سلطة فاعلة وحركة أساسية في المجتمع. يختلف الباحثون والمراقبون للشأن التركي في القوة الأولى التي تحكم البلد، فالبعض يقول إن القوة الأولى الجيش والإعلام القوة الثانية أما الفريق الآخر فيرى العكس، والحقيقة أن الإعلام في كل الأحوال هو الذي يحرك الجيش ويستفزه لضرب أي توجهات إسلامية ولو كانت محدودة ومحصورة، بل لا يعبأ أن يحرّض في كثير من الأحيان الجيش على التدخل المباشر والقيام بانقلاب عندما يرى العلمانيون أن التوجه الإسلامي قد يهددهم أو أن الصحوة الإسلامية بدأت ترفع الرأس وتتنسم الهواء الطليق، لا يريدون وجودًا قويًا مؤثرًا في البلد خلاف العلمانيين فكيف يقبلون ببروز إسلامي صاعد؟ يكاد يتفق المتابعون للشأن التركي أن سقوط حكومة التحالف الإسلامي / العلماني أسقطها الإعلام وبشكل أخص الصحافة اليومية العلمانية ذات النفوذ والانتشار الواسع.

(هناك مجموعتان إعلاميتان علمانيتان صباح، دغوان تسيطران على 35% من الدوريات وكانوا من أسباب إسقاط حكومة أربكان) .

من غرائب الإعلام التركي وحريته، أن وجدت محطات تلفزيونية وإذاعية تقدم خدمات خاصة لأصحابها وتقوم بحماية مصالحهم الشخصية الاقتصادية، وأحيانًا بطريقة فجة، فهناك قناة تلفزيونية مهتمه بالدفاع عن كازينوهات القمار تسوق لها وتقعد لفوائدها وآثارها الاقتصادية على المنطقة المحلية وأنها مصدر دخل قوي للعملة الصعبة - خصوصًا من إسرائيل ـ بدلاً من الدراهم القليلة من السياح العرب المتخلفين.

من جانب آخر يعتبر الكثير من الصحف اليومية العلمانية أن من مقومات الصحافة العري والتفسخ فيندر أن يخلو عدد من هذه الصحف من صور نسائية عارية أو شبه عارية وبشكل متكرر ومقزز تشبها بالصحف الشعبية الإنجليزية (التابلويد) ولكن بنساء تركيات (مسلمات على الأغلب) ، هذا الأمر لا يوجد ـ على حد علمنا ـ في أي بلد مسلم، ويلاحظ وجود دعم غير مباشر من الحكومات العلمانية للصحف اليومية كي تغض النظر عن الأخطاء وتركز جهودها فقط لتتبع الإسلاميين وأنشطتهم وإثارة العامة والجيش عليهم. [يحصل رئيس تحرير إحدى الصحف اليومية واسعة الانتشار على 000. 1000 دولار شهريًا من الحكومة رشوة مقنعة] .

نظرًا للجهد الضخم والإرث التراكمي للدولة العلمانية ومؤسساتها في محاربة الإسلام من جذوره، فإن أي جهد لمقابلة هذا المد أو حتى التخفيف من دوره وأثره يصب في خانة الجهد الإسلامي باعتبار أن القائمين عليه من أهل القبلة وذوي نيات حسنة وإن خالفوا أحيانًا المنهج الإسلامي الصحيح.

قبل الحديث عن النشاط الإعلامي فإنه يجب معرفة الفئات النشطة وهي:

* الحركات الصوفية النقشبندية وهي ذات انتشار واسع في أوساط عامة الناس وبخاصة القرويون وهي ذات عمق تاريخي بعيد من أيام الخلافة العثمانية.

* حركة النورسيين وهي حركة إسلامية منظمة واسعة الانتشار تهتم كثيرًا بالتعليم يتبعها آلاف المدارس داخل تركيا وأيضًا خارج تركيا، تعتمد على نفسها كليًا في الإنفاق على نشاطها وهي صوفية في الكثير من توجهاتها.

* حزب الفضيلة (الرفاه سابقًا) وهو حزب سياسي بالدرجة الأولى ولكن له أنشطة متنوعة اقتصادية وتعليمية وثقافية وله حضور واسع، ويستفيد ـ في الانتخابات ـ من الجماعات الصوفية.

* تجمعات أخرى:

بخلاف الجماعات السابقة فإنه يوجد في تركيا تجمعات محلية محدودة متنوعة الاتجاهات بعضها سلفي وبعضها إصلاحي عام لكن أثرها محدود وانتشارها ضيق وأتباعها قلة.

رغم هامش الحرية الإعلامية الواسع فإن الإعلام الإسلامي تحت المجهر وسيف الدستور العلماني في وجه التحركات الإسلامية الإعلامية رغم تعقلها واتزانها وقصورها أيضًا في جانب ما تقدمه من مواد إسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت