أصبحت الجنادرية علماً على أشياء كثيرة منها الملتقى الفكري السنوي الثري بموضوعاته وأعلامه حتى ليكاد يتميز عن كثير من المؤتمرات التي تعقد في أنحاء العالم الإسلامي. (كتبت قبل سنوات مقالة أقارن فيها بين الجنادرية وغيرها من المؤتمرات) ، ونظراً لأنني عايشت هذا المهرجان الكبير في جانبه الثقافي منذ المهرجان التاسع فإنني حريص جداً على حضوره سنوياً.
ولمّا كان المهرجان قد اختار محور النقاش في السنوات الماضية حول الإسلام والغرب، فكانت محاضرات وندوات تلك السنوات تعد مرجعاً بحق في القضايا التي تناولتها. وكم كنت أود أن يكون لهذا المهرجان الكبير نتائج محسوسة في أرض الواقع بأن يتم البدء في إنشاء كليات للدراسات الأوروبية والأمريكية حتى نتوصل إلى المعرفة الحقيقية بالغرب الأوروبي والأمريكي، أو مراكز بحوث متخصصة أو أقساماً علمية.
وهاهي ندوة الجنادرية لهذا العام تختار محوراً مهماً جداً أَلَا وهو الإسلام والشرق. وقد يبدو لأول وهلة أن الاختيار غريب نوعاً ما لأن الإسلام انطلق من الشرق والشرق هو منبع الديانات السماوية كلها. ولكن المحاضرات والندوات التي عقدت في رحاب الجنادرية بقاعة الملك فيصل للمؤتمرات أكدت أن هذا الاختيار كان موفقاّ ورائعاً.
لقد تناولت إحدى الندوات موضوع الجذور التاريخية للعلاقة بين الإسلام والشرق فتحدث فيها ثلاثة محاضرون تناول أحدهم دخول الإسلام إلى الهند والعلاقة بين الهند والإسلام على مر التاريخ، كما تناول باحث آخر تطبيق الشريعة الإسلامية في ماليزيا، بينما تناول الباحث الثالث العلاقة بين الإسلام والصين ودول جنوب شرق آسيا الأخرى. وكان من التعليقات البارزة في هذه الندوة ما تقدم به الدكتور محمد آل زلفة عضو مجلس الشورى بأن أثنى على الجهود السعودية في الدعوة الإسلامية في دول شرق آسيا ولكنه أضاف بأن المطلوب أن يتم تكثيف هذه الجهود من خلال إعداد الدعاة في أقسام متخصصة لدراسة دول شرق آسيا في النواحي التاريخية والجغرافية واللغوية والثقافية، حتى إذا ذهب الدعاة إلى هناك كانوا على معرفة بالبيئة التي يعملون فيها.
وفي محاضرة أخرى تناول الدكتور عبد الله العبيد جهود المملكة العربية السعودية في الدعوة الإسلامية في الشرق، فقدم معلومات قيمة عن هذه الجهود وجلّى كثيراً من هذه الجهود المباركة وإن كانت محاضرة واحدة لا تكفي للحديث عن هذه الجهود.
وكان من بين الندوات ندوة بعنوان (ندوة الأسس المعرفية والفلسفية للإسلام والفكر الديني في الشرق) ، ومن بين الندوات المهمة الندوة التي عقدت تحت عنوان (الاستراتيجيات الاقتصادية الوطنية الدولية في الشرق ودور الإسلام فيها) والتي تطرقت للتقدم الاقتصادي في دول شرق آسيا حتى لقّبت قبل أعوام بنمور آسيا، ولمّا بدأت تحتل مساحة مهمة في الاقتصاد العالمي وبدأت منتوجاتها الصناعية تغزو الأسواق العالمية تعرضت لهزات اقتصادية صعبة أدت إلى انخفاض قيمة العملات في معظم دول جنوب شرق آسيا ولم تسلم حتى اليابان من هذه الهزات.
وقد تناولت هذه الندوة قضايا مهمة من بينها ضرورة تشجيع التبادل التجاري بين الدول الإسلامية العربية ودول شرق وجنوب شرق آسيا وبخاصة الدول الإسلامية فيها. وقد كانت جولة صاحب السمو الملكي إلى الصين وبعض دول شرق آسيا إشعاراً بأهمية تقوية الصلات بهذه الدول. وإن هذه الزيارة المباركة تعيد إلى الأذهان الزيارات المباركة التي قام بها الملك فيصل رحمه الله إلى دول أفريقيا حينما كان جلالته يرحمه الله ينادي بدعوة التضامن الإسلامي التي أثمرت في إنشاء منظمات إسلامية عالمية فاعلة منها رابطة العالم الإسلامي ومنظمة المؤتمر الإسلامي التي نظمت لقاءات القمة بين زعماء العالم الإسلامي.
وعقدت ندوة أخرى بعنوان (العولمة والوطن العربي) كما قدم الدكتور عبد الهادي أبو طالب محاضرة بعنوان (التقريب بين المذاهب الإسلامية واحتواء الصراعات المذهبية) .
ولا شك أن يتفاعل المثقفون مع نشاط فكري كبير كهذا وتظهر بعض الأفكار والاقتراحات والنقد وكذلك الحديث عن حضور الندوات والمحاضرات.
أشاد كثير من الحضور إن لم يكن معظمهم باختيار موضوع الإسلام والشرق وكان من ابرز هؤلاء الشيخ الأستاذ فتحي يكن الذي ألقى كلمة رائعة في هذا المضمون ذكر فيها أن اهتمامنا بالغرب سنوات طويلة أنسانا أو كاد أهمية الشرق بالنسبة للعالم الإسلامي الذي هو شرقي في الأصل. وأشادوا بالمحاضرات والندوات التي قدمت ولكنهم رأوا أن الموضوع مازال يحتاج الكثير من البحث والدراسة، وذلك من خلال وضع خطة منهجية لدراسة هذه العلاقة العضوية القوية بين الإسلام والشرق وبخاصة العالم العربي والدول الإسلامية في أواسط آسيا وشبه القارة الهندية والصين وجنوب شرق آسيا وحتى اليابان وكوريا.