فهرس الكتاب

الصفحة 1727 من 27364

محمد بن حامد الناصر

لاحظنا في السابق مهاجمة العصرانيين للفتوحات الإسلامية وقادتها، والتطاول على بعض الصحابة - رضي الله عنهم -، ونلاحظ هنا أن بعضهم يدافع عن الزنادقة والمرتدين باسم الدفاع عن حرية الرأي والتجديد.

وقد تحمل وزر هذه الدعوة عدد من العصرانيين، فمدحوا الخوارج واعتبروا أنهم حزب العدالة والقيم الثورية، رغم أنهم كلاب أهل جهنم كما ورد ذلك في الأحاديث الصحيحة.

واعتبر بعضهم أن القرامطة هم الجناح اليساري في الحركة الشيعية، كما مدحوا الدولة العبيدية الإسماعيلية، وأشيد بثورة الزنج في البصرة جرياً وراء تمجيد المستشرقين لهذه الحركات المنحرفة الطائشة (1) .

ثم تابع العصرانيون الجدد - أصحاب النزعة المادية - طريق من سبقهم بجرأة أشد، وانحراف أخطر (2) .

تمجيدهم لعدد من الزنادقة:

دأب الطبيب (خالص جلبي) على تمجيد الحلاَّج والسهروردي ومحمود طه زعيم الإخوان الجمهوريين السودانيين، وهو باطني ضال حوكم شرعياً، وحكم بإعدامه، وأراح الله السودان منه، وستعرف المزيد عنه في هذا المقال، وقد اعتبر خالص جلبي هؤلاء مجددين قُتلوا ظلماً.

يقول في مقالة له في الشرق الأوسط: «كل المظالم وقعت باسم الشعب، وباسم الأمن، أنشئت أجهزة الرعب، وتحت بعض الشعارات تغتال الحقائق؛ فباسم الشعب في بغداد حكم على الحلاج بضربه ألف سوط، ثم قطع لسانه وأطرافه» .

«وإن المجتمع الإنساني يتقدم بدون التجديد الدائم، وكل فكرة جديدة عانت وكابدت، من ذلك إعدام سقراط في أثينا، وإعدام محمود طه في السودان بتهمة الردة» (3) .

ثم يعترض (الجلبي) على إعدام محمود محمد طه فيقول: «وتحت شعار تطبيق الشريعة الإسلامية أعدم محمود طه في السودان لرؤيا رآها، فسرت أنها كفر، ولم ينفع في رفع الحكم عنه سنواته السبعون» (4) .

ويقول أيضاً: (وفي عام 1971م أعدم محمود طه في السودان على يد الطغمة العسكرية بتهمة الردة، وكان الرجل مجدداً، فلم يكفر ولم يرتد، ولكنها السلطة التي لا تتحمل النقد والمعارضة) (5) .

حقيقة محمود محمد طه:

قتل هذا الرجل مرتداً لأنه كان من مدعي النبوة، وكان قد درس مذاهب الفلسفة والمنطق، وله دراسات حول مدرسة الجدليين، واستقال من عمله في الحكومة السودانية، وشكَّل الحزب الجمهوري، ولم ينضم إليه أكثر من عشرة أشخاص. عمد إلى أسلوب المحاضرة في المقاهي والشوارع، وكان يصدر منشورات باسمه، في أخريات عام 1945م (6) .

سجن محمود طه مرتين، وخرج بعد المرة الأولى بعد سنتين وقد أطلق لحيته، وأرسل شعر رأسه، وأوضح أن الحزب الجمهوري حزب له رسالة، هي رسالة الحق، وأنه قد كُلِّف بهذه الرسالة، ثم سجن مرة أخرى لمدة سنتين.

وقد أسقط عن نفسه الصلاة، ولكنه نادى أتباعه بإقامة قواعد الإسلام.

كان يتأول في تفسير القرآن الكريم، ويعتبر أن الآيات المكية هي أساس الشرع، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتمكن في مكة من تعليم المسلمين أسس هذه الآيات.

نفذ فيه حكم الإعدام لادعائه النبوة، وخروجه من الإسلام بعد أن أمهل ثلاثة أيام ليتوب ويرجع عن كفره وضلاله فلم يتب ولم يتراجع، (أعدم في سجن الخرطوم) .

وتوجد حقائق مذهلة عن أفكاره، ما كان يعرفها كثير من الناس، وقد بسطتها مجلة المجتمع في بعض أعدادها؛ حيث بينت أن الجمهوريين في السودان يرون: أن محمود طه أفضل من النبي محمد صلى الله عليه وسلم لأنه فصَّل الرسالة الثانية، وهي بزعمهم أعلى مرتبة من الرسالة الأولى، وحكمت المحكمة على أربعة آخرين معه بالإعدام (7) .

ورغم هذه الردة عند محمود طه فإن خالص جلبي يتباكى عليه ويدافع عنه، ويعتبر أنه قُتل مظلوماً، من قِبَل السلطة العسكرية؛ لأنها لا تتحمل النقد والمعارضة» (8) .

ويتجاهل الطبيب خالص ما كُتب عن محمود طه ورِدَّته وفكره، ومن ذلك كتاب «موقف الجمهوريين من السنة النبوية» (9) وكتاب «الردة ومحاكمة محمود محمد طه» (10) .

أما الحلاج:

فهو الحسين بن منصور المتوفى عام 309 هـ، كان جده مجوسياً، عرف عند الفقهاء أنه زنديق، وكان يتعاطى السحر والشعوذة.

وكان حفيده (الحسين بن منصور) من أكبر دعاة الحلول، ودعوى امتزاج الخالق بمخلوقاته - تعالى الله عما يقوله الزنادقة علواً كبيراً -.

ومن شعر الحلاج قوله (11) :

مزجت روحك في روحي كما تُمزج الخمرة في الماء الزلال

فإذا مسَّك شيء مسني فإذا أنت أنا في كل حال

ومن شعره أيضاً:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا نحن روحان حللنا بدنا

والحلاج قتل بالعراق بعد أن ادعى النبوة حيناً، والألوهية حيناً آخر، وأقرَّ بكتاب منسوب إليه بهذه التهم.

قال ابن تيمية - رحمه الله: «الحلاج قتل على الزندقة التي ثبتت عليه، مما يوجب قتله باتفاق المسلمين، ومن قال إنه قتل بغير حق فهو: إما منافق ملحد، وإما جاهل ضال» (12) .

ورغم كل ذلك فإن (جلبي) يرى: «أن الحلاج قُتل مظلوماً، وأعدم في بغداد بعد أن قطع لسانه وأطرافه» (13) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت