وقد أشاد خالص جلبي بالشهاب السهروردي أيضاً، واعتبر أن إعدامه كان تجاوزاً، يقول: «ربما حدثت تجاوزات حيث قضى السهروردي نحبه بفتوى أيام صلاح الدين الأيوبي» (14) ومعروف أن السهروردي كان حلولياً من أصحاب وحدة الوجود كالحلاج؛ فهو من ضُلاَّل الصوفية.
يقول ابن كثير - رحمه الله: وكان الشهاب السهروردي مبتدعاً يخالف في معتقده وآرائه حَمَلة الشرع، فصلبه السلطان الظاهر في حلب - بأمر من والده السلطان صلاح الدين - بعد أن شهَّر به (15) .
تمجيد جودت سعيد لعدد من الزنادقة أيضاً:
كان الشيخ جودت معجباً بابن المقفع والجاحظ أشد الإعجاب وذلك لكثرة قراءاتهما، حسب مفهوم الشيخ للقراءة.
يقول جودت سعيد: «إن الإنسان يتصاغر أمام من هو أقرأ منه.. أجل إن من يقرأ أكثر يَنَلْ أكثر، إنه قانون الله «من يعمل سوءاً يجز به» .
ثم يقول: «وإن تجرد إلقاء نظرة على تاريخ العلماء في العالم بيبن لك أن القراءة الدائمة هي دأب العلماء» .
«انظر مثلاً كتاب كليلة ودمنة، وما وضع في مقدمته من الجهود التي بذلت في تحصيل هذا الكتاب؛ ففيه معلومات عالمية محجوزة لا يفرج عنها إلا بعد سنوات تطول أو تقصر حسب رؤى أصحابها» (16) .
ثم يقول: «وإذا كان لي من نصيحة أثيرة أقدمها للشباب الذي تعلِّق الأمة عليهم آمالها، فهي أن يتطلعوا إلى مصادر للعلم غير المصادر التي كنا نستقي منها» (17) .
ثم يقول أيضاً: «ويزداد الإنسان إعجاباً بأقوال ابن المقفع حول المُلك «السياسية» وأنه إما مُلك دين، أو مُلك عقل، أو ملك هوى» ويقول: «هذا هو النظر التاريخي العلمي الأخلاقي» (18) .
فكثرة القراءة لا تجيز للشيخ جودت أن يمجد الملاحدة كفلاسفة الملاحدة اليونان، ولا الزنادقة كابن المقفع وأضرابه.
قال ابن عبد الهادي: «ما رأيت كتاباً في زندقة إلا وابن المقفع أصله» (19) .
وقد أسهم ابن المقفع بنشر الثقافة الفارسية، ويقول عنه ابن النديم في الفهرست - وكان معاصراً له: «كان ابن المقفع يعتني بكتاب المانوية، ونقل إلى العربية منها كتباً أخص بالذكر منها كتابه «ديانة مزدك» .
وقال الخليفة العباسي «المهدي» : «وما وجدت كتاب زندقة إلا وأصله ابن المقفع» (20) .
ويشيد جودت سعيد بالجاحظ أيضاً:
فيقول: «والجاحظ له مقام في الحضارة الإسلامية، يتألق نجمه على مر الزمن.. كان يتذوق مع آيات الله: آيات الآفاق والأنفس، وهو وإن كان إماماً في الأدب، إلا أنه صاحب مذهب في العقيدة أيضاً» (21) .
ويقول: «كانت وفاته تحت ركام الكتب التي تهدمت عليه، إنه شهيد الكتاب والقراءة، لقد كان قارئاً بمستوى حضاري إنساني عالمي، ولكتبه طعم خاص وذوق معين، وذلك لعلميته في القراءة، ولإنسانيته في الثقافة (22) .
أخي القارئ: إليك أقوال أهل العلم بالجاحظ الذي أتخذه جودت سعيد أسوة له، وزعم أنه صاحب عقيدة:
قال ابن حجر العسقلاني: «كان الجاحظ من أئمة البدع» .
ويقول أبو العيناء: «كان الجاحظ قدرياً» .
وقال الخطابي: «كان الجاحظ يُرمى بالزندقة» .
وقال ابن حزم عنه: «كان أحد المُجَّان الضُّلاَّل، غلب عليه الهزل» (23) .
وقال الإمام الذهبي: «العلامة المتبحر المعتزلي، أخذ عن النظَّام، وأنه كان يختلق» (24) .
يلاحظ هنا أن هنالك ارتباطاً كبيراً بين أفكار الجاحظ وأفكار جودت سعيد، وخاصة فيما يتعلق بأفكار القدر والاعتزال المبثوثة في كتبهما.
تمجيد العصرانيين الجدد للمعتزلة ورؤوس الاعتزال:
يقول الدكتور خالص جلبي: «وعندما استقر الأمر للعقل الكسيح، وطُحن التيار العقلاني من المعتزلة وسواهم، أصبح التشكيك في عقيدة أي إنسان جاهزاً وحتى اليوم، وبقيت الساحة عقلاً من دون مراجعة، ونقلاً من دون عقل» (25) .
والمعتزلة قوم فُتنوا بالفلسفة اليونانية، فأوَّلوا القرآن الكريم، وكذَّبوا الأحاديث التي تتعارض مع العقلية الوثنية اليونانية (26) ، وحكَّموا العقل وقدَّموه على الشرع، فكَّذبوا ما لا يوافق العقل من الأحاديث الشريفة - وإن صحَّت - وأوَّلوا ما لا يوافقه من الآيات الكريمة (27) .
والمعتزلة تطاولوا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الأحاديث التي ينقلونها تخالف أصولهم، ومن هؤلاء: عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء، والنَّظَّام.
وقد أُعجب العصرانيون بآراء المعتزلة، ومجَّدوا النظَّام أحد رؤوسهم الذي يقول فيه البغدادي: «دخل الفساد على عقيدة النظَّام ممن خالطهم من الزنادقة والفلاسفة وغيرهم» (28) .
واتخذ المعتزلة ومن شايعهم الجدل والمراء وسيلة للبحث في الدين؛ وذلك مخالف لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ إذ يقول: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه، إلا أتُوا الجدل» ، ثم تلا - عليه الصلاة والسلام: «ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون» (29) .
تناقضات عجيبة: