بقلم/الدكتور طارق عبد الحليم
د. يوسف القرضاوى رجل علم غني عن التعريف، لمع اسمه في العقد الأخير خاصة، وإن عُرف له جهده في الدعوة منذ ردح من الزمن، وأصبح وجهاً تليفزيونياً شهيراً تتهافت المحطات الفضائية على استضافته، وتخصص بعضها وقتا مرصودا له على الهواء لطرح آرائه وتعميم فتاواه.
وقد كنت، كغيرى ممن يعيشون في نطاق الدعوة الإسلامية وينتمون لأرضها الخصبة المباركة، أتتبع أخبار الشيخ، وفتاوى الشيخ، وأقول لمن حولي - إن أحسن -؛ أحسن والله هذا الشيخ الجليل، أو أقول في نفسي - إن أساء -؛ هنّة من هنّات البشر، سامحه الله فيها. إلا أن الأمر قد طفح في الآونة الأخيرة عن الحد المقبول من التجاوزات، حتى بلغ السيل الزبى، وجاوز الحزام الطبيين، وخرج علينا الشيخ مؤخرا بالعديد من الفتاوى، التي لا ينتظم لها محل في المنظومة المنهجية لأهل السنة والجماعة، ولا تجد لها سند من أصول فقه أو مقاصد شريعة! بله المصلحة العامة المعتبرة من الشرع، إلا ما كان من قبيل فقه العوام وتعريفهم للمصلحة بالهوى والتشهى.
ولو كان غير الشيخ القرضاوى، لما اهتزت لشحذ أقلامنا مبراة، ولكن الرجلَ منظور اليه من عوام الناس في الشرق والغرب على حدّ سواء. ولو أن الأمر أمر زلة عالم لما كان لنا أن نتهجم على مقامه أو أن نترصد لمقالاته، فكما قال الشاطبي في الموافقات أن لكل عالم هفوة و لكل جواد كبوة، ولكن الكبوات صارت عادة الحصان حتى ظن الناس أن الكبو هو الأصل في سير الخيل! وتكاثرت هفوات الشيخ وما خرج به عن منهج العدل من الفتاوى والآراء مما جعل التعريف بها واجب لمن قدر على التصدى له، إذ أنه لم يتصد له أحد غير القليل، وحتى هذا القليل، قد آثروا المحاورة الهادئة فلم يسمع لهم صوت، وكيف يسمع صوت الحق في عالم غشيه التضليل وعمّت فيه الفوضى وصار العالم جاهلا والجاهل عالما، وحتى اشتبهت فيه البزاة بالرخم، وناطح الثرى فيه الثريا، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وما سنتعرض له في هذا المقال هو مما نُشر للشيخ - سامحه الله - على صفحات الإنترنت، من فتاوى في بنوك الفتاوى! وهي عديدة اخترنا منها أبعدها عن المنهج السوي وتركنا منها ما له وجه محتمل وإن كان مرجوحاً. ثم لا ننسى ما للرجل من فضل بل فضائل في كثير من آرائه وفتاواه الأخرى.
وقبل عرض هذه الفتاوى، أحب أن أنبه على أن الفتوى تتركب من حدّين: الحكم الشرعيّ + مناط الحكم، أو الواقع الذي ينزّل عليه الحكم. ثم إن هذ الفتوى قد تكون فتوى عامة، فيمكن أن تجرى مجرى الحكم لما هو أخصّ منها مناطاً. مثال ذلك أن يقال:
الخمر حرام، وهذا المشروب خمر فهو حرام.
ثم؛ الخمر الحرام في حالة المضطر حلال والضياع في الصحراء حالة إضطرار، فالخمر الحرام في حالة الضياع في الصحراء حلال.
ثم؛ فلان ضائع في الصحراء، وفلان وجد خمرا حراما، ففلان يمكن أن يشرب من الخمر الحرام بما يقيمن أوده لأنها له حلال.
فهذه ثلاث مستويات من الفتوى، آخرها خاص يتنزل على حالة بعينها.
وما أطلت في ذكر هذا المثل إلا لأنني أحسب أن من أشد الخطر وأفحش الخطأ هو ما يقع فيه بعض علمائنا من قبيل الخلط في هذه النقطة، فهم يصدرون فتاوى عامة من قبيل المستوى الثاني من الفتوى غير عابئن بما قد يجره ذلك من بلاء حين يتناول العامة هذه الفتوى ويجتهدون في تنزيلها على مناطاتهم الخاصة وهي لا تنتمى لها بحال فتعم الفوضى [[1] ].
1)فتوى تعدد الأحزاب:
جاء عن الشيخ القرضاوى:(ثم تحدث عن حكم الدين في إنشاء أحزاب على أسس دينية، فأكد أنه"لا مانع من إنشاء أحزاب سياسية على أسس دينية، وهذا الأمر ينطبق على المسيحيين؛ فمن حقهم أيضا إنشاء أحزاب سياسية بشرط أن تكون جميعا خاضعة للدستور والقانون الذي يجب أن يحترمه الكل".
وأشار إلى أنه لا يعارض حتى"ظهور أحزاب شيوعية على أن تحترم مشاعر الأغلبية والمقدسات والرموز الدينية... وهذه هي الديمقراطية التي يخشى الحكام العرب الاقتراب منها".
وحول الموقف من مشاركة المرأة في الانتخابات البرلمانية، أوضح أن"المرأة والرجل متساويان في الحقوق والواجبات حتى السياسية وغيرها طالما تعلمت - المرأة - ووصلت إلى المراكز المرموقة") [[2] ]
ولا ندرى والله من أين أتي فضيلته بمثل هذه الفتوى؟! لا في جزئها الأول ولا في الثاني. فتعريف الحزب السياسي أنه تجمع على منهج محدد وطريقة مفضلة تكون عقيدة أو بمثابة العقيدة لمتبعيه ومنتسبيه للوصول إلى سدّة الحكم وإتخاذ آرائهم ومذاهبهم قوانينا للبلاد.
هذا في عرف الديموقراطية التي اشتط فضيلته في فتاوى أخرى للدفاع عنها ونسبتها للإسلام [[3] ] وخلطه بينها وبين الشورى في الإسلام! وماذا عن"مشاعر الأغلبية"وما هو حكم المحافظة على هذه المشاعر و"المقدسات"؟ من أين أتى الشيخ بهذه التعبيرات"المشاعر! المقدسات"؟ أين تقع هذه التعبيرات في قاموس الفقه؟ وهل يرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يتمالأ في دولة الإسلام مجموعة ممن يكفرون بالله ويرجعون الخلق إلى الطبيعة، فيظهرون عقائدهم ويدعون الناس إلى إتباع برامجهم؟ الإسلام لا يقبل بأن يقوم جمع ممن يحادّ الله ورسوله بالدعوة إلى برامج إلحادية وخروج عن الشريعة على أرضه وبين أبنائه! هذا من المسلمات، ولا يكفى أن نقول: ولكننا نصنا لهم أن لا يخدشوا مشاعرنا!! كأنني والله أردد كلمات عذراء مخدّرة لا تملك دفع الشرّ عن لنفسها! وما هكذا الإسلام يا شيخ قرضاوى، بارك الله فيك.
ثم ترى هل يجوّز الشيخ أن تتولى المرأة رئاسة مجلس النواب؟! ومن ثم، ومتابعة لهذا الخطّ من الخلط، هل يجوز لها إذن أن تتولى رئاسة الدولة، وهو من المراكز المرموقة بلا شك؟! روى البخارى والترمذي عن أبي بكرة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم"لن يفلح قوم ولوا أمرهم إمرأة". فيا ترى أين يذهب القرضاوى من هذا الحديث؟ وكيف يتأوّله ويلتوى به ليطوعه للديموقراطية الجديدة؟ لقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة"قوم"منكرة تفيد الإطلاق، ونفى الفلاح عمن فعل هذا"إن ولوا أمرهم إمرأة"، فهل هناك ما يقيّد هذا الإطلاق؟! أم أنه حكم خاص بقوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عمل له في الأقوام الحديثة المتحضرة من المسلمين؟! أم أن الشيخ لا يرى أنّ أحاديث البخاري صحيحة على إطلاقها، متابعة لمن رأى ذلك من المعتزلة أو غيرهم من المبتدعة؟ أي مذهب ترى ذهب اليه الشيخ القرضاوى لإلغاء هذا النصّ؟ وما هو دخل المساواة بين الرجل والمرأة في هذا الأمر؟ الرجل والمرأة في الإسلام متساويان في التكليف أمام الله سبحانه، ولكن كلّ فيما هيأه الله له، فما هذا الخلط والخبط والتمويه؟
ونحن لا نعارض أن تدلى المرأة برأيها في القيادة المرتقبة للدولة في الإسلام، ولكن أن تكون بهذه الصيغة وأن توحى بمشاركتها مشاركة لا قيود عليها في إدارة شؤون البلاد هو مما يضاد ما استقر عليه الرأي في الشريعة من أن المرأة لها دورها المتميز في إنشاء الجيل وتربية الناشئة.
2)الأخوة القومية والإنسانية:
جاء عن الشيخ القرضاوى:(فهؤلاء - إذا كانوا من أهل وطنِك - لك أن تقول: هم إخواننا، أي إخواننا في الوطن، كما أن المسلمين - حيثما كانوا - هم إخواننا في الدّين. والفُقهاء يقولون عن أهل الذمة: هم من أهل الدار، أي دار الإسلام. فالأُخُوّة ليست دينيّة فقط كالتي بين أهل الإيمان بعضِهم وبعض، وهي التي جاء فيها قول الله تعالى: {إِنَّمَا المُؤمِنونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] . بل هناك أُخُوّة قوميّة، وأخوة وطنيّة، وأُخوة بشريّة.
والقرآن الكريم يحدِّثنا في قَصص الرُّسل مع أقوامِهم الذين كذَّبوهم وكفروا بهم، فيقول: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ. إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقونَ} [الشعراء: 105،106] . {كَذَّبَتْ عَادٌ المُرْسَلِينَ. إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ} [الشعراء: 123،124] ) [[4] ].
الأخوة هنا معناها"الإنتساب إلى"، قال الألوسي: أخوهم نوحاً:"أي نسيبهم"، فالأخوة التي أرادها الله سبحانه هنا هي في نطاق محدود بالإنتساب، ليس بينها وبين معاني الأخوة التى أنشأها الله بين المؤمنين نسب، فالإيحاء بأن هناك"أخوة"بما في الكلمة من ظلال في هذا الموضع خلط متعمد للتمويه على الناس، والله سبحانه استعمل كلمة"أخوهم"كما تقول العرب"أخا تميم"أي قريبهم، ولا يحمل هذا أي مدلول آخر إلا بقرينة، ولذلك افتخر الشاعر بأن قبيلته تنصر من كان من أقربائها في أي ظرف حتى لو لم يكن هناك داع آخر للنصر فقال:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا
ولم يذكر الله سبحانه لفظ الأخوة، إذ هو مصدر والمصدرية توحي بتعدد الحقوق، وهو غير مراد هنا.
ثم إن استنطاق الآيات بغير مرادها فحش وخطل، فليس هذا محل استنباط فقه الأقليات، أو أحكام أهل الذمة من هذه الايات التي تقص حكايات الأنبياء، فهذا من اتباع استعمال المتشابه [[5] ] وترك المحكم الذي ثبت في الشريعة بنص أو ظاهر في حقوق الأقليات.
وليس هناك خلاف في أن أهل"الديانات الأخرى"لهم حقوق في ظل"الدولة الإسلامية"، ولكن هذا لا يستدعى أن تكون هناك"أخوة"مصدرية عامة، بل هو الإحسان والبر بغير المحارب أو الذمي كما في الآيات، والله سبحانه لم يقل في محكم كتابه أنه لا ينهاكم عن الذين لا يقاتلونكم ولا يخرجوكم من دياركم أن تتخذونهم إخوانا أو أن تكون بينكم أخوة، وكان من اليسير عليه سبحانه أن يقول ذلك، ولكنه عبّر عن الواجب الشرعي بتفصيله إلى البر بهم والقسط لهم، وهو ما لا يستدعي بذاته أخوة من أي نوع. قال تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} .
فأين الأخوة القومية هنا! بله الإخوة الإنسانية! هي كلها سياسية يقال أنها شرعية، وهي لا تمت للشرع بصلة، يراد بها تنزيل الأحكام الشرعية على مقتضى الواقع لتناسبه وتبرر ما فيه من اعوجاج، لا أن تقرر الصحيح من الفتاوى في مناطاتها فتعيد الحق إلى نصابه وترجع الناس إلى رب الناس.
3)مبادئ للتقريب بين المذاهب الإسلامية [[6] ]:
مرة أخرى، شط فيها الشيخ بما لا مزيد عليه بغية التقرّب، ولا أقول التقريب، من الشيعة وما يستتبع ذلك من فتح الأبواب أمام البدع لتخترق صفوف تالسنة أكثر مما هي عليه الآن!
و الداعي للشيخ القرضاوى على هذا الأمر هو ذلك الكيان الذي أعلن عن إنشائه وجدّ في البحث عن مقر له ثم جدّ في تبرير انتمائه لكل من خالف السنة باسم الوحدة حتى ولو كانوا هم أصل التفرقة والبعد عن السنة! وقد اتخذ الشيخ نائبا للرئيس شيعيا إثني عشريا ومقررا من الشيعة الإباضية! ولا شك أن هذه المحاولات التي ترى في التقرب غاية في ذاته وليس وسيلة لنصر دين الله وسنة نبيه، هي محاولات تهدم ولا تبني وتخرّب ولا تعمر، وهي محكوم عليها بالفشل، إذ أن القوم يؤمنون بالتقية، هذا جزء من دينهم، أما علمت يا شيخ يوسف، بارك الله في عمرك [[7] ]، كم من الناس من حاول هذا التقارب من قبل فكان فيه مضيعة للعمر ومأسفة لأهل السنة. لقد تقوّل هؤلاء الشيعة على أهل السنة من العلماء أمثال الشيخ سليم البشرى شيخ الجامع الأزهر في مطلع القرن العشرين بما هو معروف مما نشروه في ما أسموه"المراجعات"وفيها يكذبون على الشيخ البشري، وهو أيامها من أجل علماء السنة وعميد الفقه المالكي، ويصورونه أنه جلس مجلس المتعلم من الشيعي شرف الدين الحسيني، الذي زعم أنها مما جرى بينه وبين الشيخ البشري في الخفاء! ولم ينشرها لسبب لا يعلمه إلا الله إلا بعد وفاة البشري!! وهو كذب صريح وترخص وضيع أظهر تهافته كثير من علماء السنة وقتها. فهل يؤمن لمثل هؤلاء الذين يسبون الصحابة ويكفرون أمهات المؤمنين أن نتواصل معهم وأن نمد يد الحب والمودة لهم، اللهم إلا في موضع القتال دفاعل عن الإسلام ضد من يهاجمهم ويهاجمنا في الحال لا في المآل. وحتى في هذه الحالة، فقد بيّن التاريخ أنهم يأخذون جانب العدو كما في حادث سقوط بغداد في أيدى التتار وخيانة نصير الدين الطوسي الذي ساعد التتار وقتل أهل السنة وقضاتهم بعد سقوط بغداد، وهو من يسميه هؤلاء الخواجه! ويثنى عليه أمثاله كالخميني. فلا أعتقد، ولا يعتقد الكثير معي أن الشيخ القرضاوى ينحدر إلى هذا المهوى ليثبت قضية أثبت الزمان عكسها، وهي إمكانية تقريب الشيعة من السنة، ورحم الله بن تيمية ومالك وبن القيم وغيرهم ممن كشف كذب الشيعة وتلاعبهم، و والله الذى لا إله إلا هو لن نحمل لمن يكفر صحابة رسول الله وأمهات المؤمنين ودّا ولا حبا ولا قربا ما تردد في صدورنا نفس، على رغم ما يقول القرضاوى، فإن مصلحة الإسلام، وأهل الإسلام هي في اتباع السنة لا في إتباع من يقوضها ويقوّض مصادرها، وليست كل فتوى غريبة مخالفة للأوائل من العلماء مما تدل على علم صاحبها، فشتان بين موقف بن تيمية حين خالف المقلدين من علماء عصره في الإفتاء بالطلقات الثلات في مجلس واحد وكونها طلقة واحدة، وبين هذا التقرب الذليل لإثبات أمر لا يجنى على السنة إلا الخراب.