4)قضية الحاكم بغير ما أنزل الله:
يقول يوسف القرضاوي:(التكفير قضية لها خطرها، ويترتب عليها آثارها، ولا يجوز التساهُل فيها، وإلقاء الأحكام على عواهِنها دون الاعتماد على الأدِلّة القاطعة، والبراهين الناصعة. فإنّ الذي نحكم عليه بالكفر: نخرجه من المِلّة، ونسلَخه من الأمّة، ونفصِله عن الأسرة، ونفرِّق بينه وبين زوجه وولده، ونَحرِمه من مُوالاة المسلمين، ونجعله عدُوًّا لهم، وهم أعداء له. وأكثر من ذلك: أن جمهور فقهاء الأمّة يحكمون عليه بالقتل، فهو محكوم عليه بالإعدام الأدبي بالإجماع، وبالإعدام المادِّي بالأكثرية.
لهذا قال الأستاذ البَنّا في آخر أصل من أصوله العشرين:"لا نُكفِّر مسلمًا أقرَّ بالشهادتين، وعمل بمُقتضاهما برأي أو بمعصية، إلا إذا أنكر معلومًا من الدين بالضرورة، أو كذَّب صريح القرآن، أو فسَّره تفسيرًا لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال، أو عمِل عملاً لا يحتمل تأويلاً غير الكُفر".
والتضيِيق في التكفير هو اتجاه المحقِّقين من علماء الأمة، من جميع المذاهب.
ولنا رسالة موجَزة حول"ظاهرة الغُلُوِّ في التكفير"بَيَّنّا فيها حقائق مُهمّة حول هذا الأمر الخَطير، الذي أسرفت فيه بعض الجماعات في عصرنا، فكَفَّرت الأمة أو كادت. كفَّرت الحكّام؛ لأنَّهم لم يحكموا بما أنزلَ الله، وكفّرت الجماهير، لأنهم سكتوا على الحكّام! بدعوَى أن مَن لم يكفِّر الكافر فهو كافر، وجهِل هؤلاء أن هذا إنما هو في الكافر الأصلي المعلوم كُفره بالضرورة، مثل الملاحِدة والوثنيّين والمحرِّفين من أهل الكِتاب وغيرهم.
وقد عرضَ الإمام ابن القيِّم لتكفير الحكام في كتابه"مدارج السالكين"ونظر في قوله تعالى: {ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرونَ} [المائدة: 44] . وكان مما قاله في تأويلها:"فأمّا الكفر فهو نوعان: كفر أكبر، وكفر أصغر: فالكفر الأكبر هو الموجِب للخلود في النار، والأصغر: موجِب لاستحقاق الوعيد دون الخلود.. كما في قوله - صلّى الله عليه وسلم - في الحديث:"اثنتان في أمّتي، هما بهم كُفر: الطّعن في النّسب، والنِّياحة"، وقوله في السُّنَن:"مَن أتى امرأة في دُبُرها فقد كفر بما أُنزِل على محمد"، وفي الحديث الآخَر:"مَن أتى كاهِنًا أو عرّافًا، فصدَّقه بما يقول، فقد كفر بما أَنزَل الله على محمد"، وقوله:"لا تَرجِعوا بعدي كفّارًا يضرب بعضكم رِقاب بعض"."
وهذا تأويل ابن عبّاس وعامّة الصّحابة في قوله تعالى: {ومَنْ لَمْ يَحكُمْ بِمَا أَنْزَلَ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرونَ} [المائدة: 44] . قال ابن عباس"ليس بكُفر ينقل عن المِلّة، بل إذا فعله فهو به كُفر، ولَيس كمَن كفَر باللهِ واليوم الآخر"، وكذلك قال طاووس. وقال عطاء:"هو كفرٌ دون كفر، وظلم دون ظلم، وفِسق دون فِسق".
ومنهم: مَن تأوّل الآية على ترك الحكم بما أنزل الله جاحِدًا له. وهو قول عِكرمة. وهو تأويل مَرجوح. فإنّ جُحوده كُفر، سواء حَكَم أو لم يحكُم.
ومنهم: من تأوّلها على ترك الحكم بجميع ما أنزل الله. قال: ويدخل في ذلك الحكم بالتوحيد والإسلام. وهذا تأويل عبد العزيز الكِناني. وهو أيضًا بعيد؛ إذ الوَعيد على نفي الحكم بالمُنَزَّل. وهو يتناول تعطيل الحكم بجَميعه وببعضه.
ومنهم: مَن تأوَّلها على الحكم بمُخالَفة النصِّ، تعمُّدًا من غير جهل به ولا خطأ في التأويل. حكاه البَغوي عن العلماء عمومًا.
ومنهم: مَن تأوّلها على أهل الكتاب. وهو قولُ قتادةَ والضَّحّاك وغيرهما. وهو بعيدٌ، وهو خلاف ظاهر اللفظ فلا يُصارُ إليه.
ومنهم: مَن جعله كفرًا ينقل عن المِلّة.
والصحيح: أن الحُكم بغير ما أنزل الله يتناول الكُفرَيْن، الأصغر والأكبر بحسَب حال الحاكم. فإنّه إن اعْتقَد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدَل عنه عصيانًا، مع اعترافه بأنه مستحِقٌّ للعقوبة، فهذا كفر أصغر. وإن اعتقد أنّه غيرُ واجبٍ، وأنه مُخَيَّر فيه، مع تيقُّنِه أنه حكم الله، فهذا كُفرٌ أكبرُ. وإن جهِله وأخطَأه فهذا مُخطِئ له حكم المُخطئين"."
قال ابن القيم:"والقَصد: أن المعاصِي كلها من نوع الكفر الأصغر، فإنّها ضدّ الشكر، الذي هو العمل بالطاعة. فالسعي إما شكر، وإما كفر، وإمّا ثالث، لا من هذا ولا من هذا. والله أعلم") [[8] ].
ومنطلق القرضاوى هو منطلق الإخوان بشكل عام، جرثومة إرجاء تسعى بين جنبيهم، شفاهم الله تعالى منها. والأمر ليس أمر تكفير أو غيره، وإنما هو أمر التوحيد وفهم حدوده ومعانيه ومستلزماته. فلا علينا إن كان فلانا من الحكام كافرا أو غير كافر، ولكن المسألة هي مسألة ثبوت معنى الطاعة والإتباع لله وحده في ذهن المسلم، وأنّ الخروج العام على شريعة الله في كافة حدودها ونصوصها ووضع تشريع مواز مخالف، هو خروج عن حدّ لا إله إلا الله، ليس كالمخالف في قضية بعينها أو واقعة بذاتها، وهو الفارق الذي ظهر لنا عجز الذهن الإخواني عن فهمه وتصوره إذ أن تركيبة الذهن الإخواني قد بدأت على مرض، استقر وعشش وفرّخ، وهو فصل الإيمان عن العمل، وأن لا ردة لمسلم أبدا بعمل إلا إن كان جحوداً.
وحسن البنا رحمة الله عليه، كما بيّنا في مقالنا المنشور عن فكر الإخوان [[9] ]، لم يذهب إلى ما ذهب اليه تابعوه وتلامذته من غلو في الظاهرة الإرجائية، ولو تأملت ما نقله عنه تلميذه القرضاوى حيث يقول: (أوعمِل عملاً لا يحتمل تأويلاً غير الكُفر) . والأمر هنا أن القرضاوى ومن ابتلي مثله بجرثوم الإرجاء اقتصر على الجزء الأول من قول البنا، وجعل الكفر لا يكون إلا جحوداً باللسان، وهو من أقوال عتاة المرجئة قديما، وتابعوهم من أمثال أتباع الجامي والحلبي حديثاً، فهل ينضم القرضاوى لهذا الموكب غير المبارك؟
ثم ما قاله البغوي مما نقله القرضاوى، من أنه فيمن ترك النص عمدا دون تأويل ولا جهل! وهو ما عليه عامة العلماء. وسبحان الله العظيم! أليس يعنى"العلماء عموما"أنه قول الجمهور؟! فلم تعداه القرضاوى إلى غيره؟! ولم حكي القول الرابع أنه كفر أكبر ناقل عن الملة؟ وكيف يختلف هذا عن القول الثاني؟! ولم هذه المغالطة والملاوعة؟!
وقول القرضاوى: (والصحيح: أن الحُكم بغير ما أنزل الله يتناول الكُفرَيْن، الأصغر والأكبر بحسَب حال الحاكم. فإنّه إن اعْتقَد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدَل عنه عصيانًا، مع اعترافه بأنه مستحِقٌّ للعقوبة، فهذا كفر أصغر. وإن اعتقد أنّه غيرُ واجبٍ، وأنه مُخَيَّر فيه، مع تيقُّنِه أنه حكم الله، فهذا كُفرٌ أكبرُ. وإن جهِله وأخطَأه فهذا مُخطِئ له حكم المُخطئين) .
خطأ ظاهر. بل الصحيح أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الأصغر والأكبر، بحسب الحاكم نفسه: إن كان حاكما بمعنى أنه مكلف حكم في أمر نفسه بغير ما أنزل الله، فهو العاصى، ومن حمله على الكفر الأكبر فهو من الخوارج الذين يكفّرون بالمعصية، وإن كان الحاكم بمعنى ولي الأمر ومن بيده الحكم وإنفاذ التشاريع، فيكون بحسب ما حكم به الحاكم، فإن كان الحاكم يحكم في مسألة مفردة بعينها أو حتى عشرة بظلم أو نهب أو سلب من غير أن يبدّل القوانين ويجعل المرجع لأحكام وأوضاع غير ما أنزلها الله سبحانه، فهو عاصٍ كذلك ويجب اتباعه ولا يصح الخروج عليه لما صحّ في ذلك من السننس، وإن كان حال ما حكم به هو شرع مواز مخالف لشرع الله يعبّد له الناس ويجبرهم على اتباعه ويعاقب مخالفه فهذا كفر أكبر ناقل عن الملة. هذا عين ما تتنزل عليه أقوال بن القيم التي نقلها القرضاوى واستخدمها في غير موضعها ومناطها، إذ هو يتحدث عن المعاصي، ومحل النزاع هو في كون التشريع المطلق من المعاصى فلا يصح استخدام هذا القول في هذا الموضع لعدم التسليم بمقدمته.
ولنا قول من هم أجلّ وأعلم من القرضاوى، ممن ينتمون لطبقة العلماء حقيقة ثابتة لهم لا التصاقاً وتمحكاً، ونعنى بهم الأجلاء من القدماء، على سبيل المثال لا الحصر، مثل بن تيمية شيخ الإسلام حيث يقول فيما يعضد ما بيناه:"ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر فمن استحل [[10] ] أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلاً من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما يراه أكابرهم، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله كسواليف البادية (أي عادات من سلفهم) والأمراء المطاعون ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة وهذا هو الكفر، فإن كثيراً من الناس أسلموا ولكن لا يحكمون إلا بالعادات الجارية التي يأمر بها المطاعون. فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز لهم الحكم إلا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار". و الإمام بن كثير في تفسيره لآية المائدة:"ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خيرٍ الناهي عن كل شر، وعدل عما سواه من الآراء والأهواء والإصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها الكثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكّم سواه في قليل أو كثير"كما أن بن كثير قد ذكر نفس الكلام في تاريخه عن موضوع الحكم بالياسق وأمثاله قال:"فمن ترك شرع الله المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة - كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين".